فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 138

أكثرُ الناسِ لا يفتحون أعينهُمْ لمباهجِ الحياةِ ، وإنما يفتحونها للدرهمِ والدينارِ ، يمرُّون على الحديقةِ الغنَّاءِ ، والأزهارِ الجميلةِ ، والماءِ المتدفِّقِ ، والطيورِ المغرِّدةِ ، فلا يأبهون لها ، وإنما يأبهون لدينارٍ يدخلُ ودينارٍ يخرجُ . قدْ كان الدينارُ وسيلةً للعيشةِ السعيدةِ ، فقلبوا الوضع وباعوا العيشة السعيدة من أجلِ الدينارِ ، وقد رُكِّبتْ فينا العيونُ لنظرِ الجمالِ ، فعوَّدناها ألا تنظر إلاَّ إلى الدينارِ .

ليس يعبِّسُ النفس والوجه كاليأسِ ، فإنْ أردت الابتسامُ فحارب اليأس . إن الفرصة سانحةً لك وللناسِ ، والنجاحُ مفتوحٌ بابُه لك وللناسِ ، فعوِّدْ عقلك تفتُّح الأمل ، وتوقُّع الخيرِ في المستقبلِ .

إذا اعتقدت أنك مخلوقٌ للصغيرِ من الأمورِ لمْ تبلغْ في الحياةِ إلا الصغير ، وإذا اعتقدت أنك مخلوقٌ لعظائمِ الأمورِ شعرت بهمَّةٍ تكسرُ الحدود والحواجز ، وتنفذُ منها إلى الساحةِ الفسيحةِ والغرضِ الأسمى ، ومِصْداقُ ذلك حادثٌ في الحياةِ الماديةِ ، فمنْ دخل مسابقة مائةِ مترٍ شعر بالتعبِ إذا هو قطعها ، ومن دخل مسابقة أربعمائِةِ مترٍ لمْ يشعرْ بالتعبِ من المائةِ والمائتينِ . فالنفسُ تعطيك من الهمَّةِ بقدرِ ما تحدِّدُ من الغرضِ . حدِّدْ غرضك ، وليكنْ ساميًا صعْب المنالِ ، ولكنْ لا عليك في ذلك ما دمت كلَّ يومٍ تخطو إليه خطوًا جديدًا . إنما يصدُّ النفس ويعبِّسَها ويجعلُها في سجنٍ مظلمٍ: اليأسُ وفقدانُ الأملِ ، والعيشةُ السيئةُ برؤيةِ الشرورِ ، والبحثِ عن معايبِ الناسِ ، والتشدُّقِ بالحديثِ عن سيئاتِ العالمِ لا غير .

وليس يُوفَّقُ الإنسانُ في شيء كما يُوفَّقُ إلى مُرَبٍّ ينمّي ملكاتهِ الطبيعيةِ ، ويعادلُ بينها ويوسِّعُ أفقه ، ويعوِّدهُ السماحةَ وسَعةَ الصدرِ ، ويعلِّمهُ أن خَيْرَ غرضٍ يسعى إليهِ أن يكونَ مصدرَ خيرٍ للناس بقدرِ ما يستطيعُ ، وأنْ تكون نفسُه شمسًا مشعَّةً للضوءِ والحبِّ والخيرِ ، وأنْ يكون قلبُه مملوءًا عطفًا وبرًا وإنسانية ، وحبًا لإيصالٍ الخيرِ لكلِّمن اتصل به .

النفسُ الباسمةُ ترى الصعابَ فيلذُّها التغلُّبُ عليها ، تنظرُها فتبسَّم ، وتعالجها فتبسمْ ، وتتغلبْ عليها فتبسمْ ، والنفسُ العابسةُ لا ترى صعابًا فتخلفها ، وإذا رأتْها أكبرتْها واستصغرتْ همَّتها وتعلَّلتْ بلو وإذا وإنْ . وما الدهرُ الذي يلعنُه إلا مزاجُه وتربيتُه ، إنه يؤدُّ النجاح في الحياةِ ولا يريدُ أن يدفع ثمَنَهُ ، إنه يرى في كلِّ طريق أسدًا رابضًا ، إنه ينتظرُ حتى تمطرَ السماءُ ذهبًا أو تنشقَّ الأرضُ عن كَنْزٍ .

إن الصعابَ في الحياةِ أمورٌ نسبيةٌ ، فكلُّ شيءٍ صَعْبٌ جدًا عند النفسِ الصغيرةِ جدًا ، ولا صعوبة عظيمةً عند النفسِ العظيمةِ ، وبينما النفسُ العظيمةُ تزداد عظمةً بمغالبةِ الصِّعابِ إذا بالنفوس الهزيلةِ تزدادُ سقمًا بالفرارِ منها ، وإنما الصعابُ كالكلبِ العقورِ ، إذا رآك خفت منهُ وجريْتَ ، نَبَحَكَ وعدا وراءك ، وإذا رءاك تهزأُ به ولا تعيره اهتمامًا وتبرقُ له عينك ، أفسح الطريق لك ، وانكمش في جلدِه منك .

ثمَّ لا شيء أقتلُ للنفسِ من شعورِها بضَعَتِها وصِغَرِ شأنِها وقلَّةِ قيمتهِا ، وأنها لا يمكنُ أن يصدر عنها عملٌ عظيمٌ ، ولا يُنتظرُ منها خيرٌ كبيرٌ . هذا الشعورُ بالضَّعةِ يُفقِدُ الإنسان الثقة بنفسِه والإيمان بقوتِها ، فإذا أقدم على عملٍ ارتاب في مقدرتِه وفي إمكانِ نجاحِه ، وعالجه بفتورٍ ففشِلَ فيهِ . الثقةُ بالنفس فضيلةٌ كبرى عليها عمادُ النجاحِ في الحياةِ ، وشتَّان بينها وبين الغرورِ الذي يُعدُّ رذيلةً ، والفرقُ بينهما أنَّ الغرور اعتمادُ النفسِ على الخيالِ وعلى الكِبْرِ الزائفِ ، والثقةُ بالنفس اعتمادُها على مقدرتِها على تحمُّلِ المسؤوليةِ ، وعلى تقويةِ ملكاتِها وتحسينِ استعدادِها )) .

يقول إيليا أبو ماضي:

قالَ: « السماءُ كئيبةٌ ! » وتجهَّما

قلتُ: ابتسمْ يكفي التجهُّمُ في السما !

السما!

قالَ: الصِّبا ولَّى ! فقلتُ لهُ: ابتسمْ

لن يُرجعَ الأسفُ الصبِّا المتصرِّما !

قالً: التي كانتْ سمائي في الهوى

صارتْ لنفسي في الغرامِ جهنَّما

خانتْ عهودي بعدما ملَّكتُها

قلبي ، فكيف أُطيقُ أن أتبسَّما !

قلتُ: ابتسمْ واطربْ فلوْ قارنْتَها

قضَّيْتَ عمركَ كلَّه متألمَّا !

قالَ: التِّجارةُ في صراعٍ هائلٍ

مثلُ المسافرِ كاد يقتلهُ الظَّما

أو غادةٍ مسْلولةٍ محتاجةٍ

لدمٍ ، وتنفُثُ كلمَّا لهثتْ دَمَا !

قلتُ: ابتسمْ ، ما أنت جالبَ دائها

وشِفائها ، فإذا ابتسمت فربَّما ..

أيكونُ غيرُك مجرمًا ، وتبيتُ في

وجلٍ كأنك أنت صرت المُجْرما ؟

قال: العِدى حولي علتْ صيحاتُهُمْ

أَأُسَرُّ والأعداءُ حولي في الحِمَى ؟

قلتُ: ابتسمْ لم يطلبوك بذمِّهمْ

لو لم تَكُنْ منهمْ أجلَّ وأعظما !

قال: المواسمُ قد بدتْ أعلامُها

وتعرَّضتْ لي في الملابسِ والدُّمى

وعليَّ للأحبابِ فرضٌ لازمٌ

لكنّ كفِّي ليسَ تملكُ درهما

قلتُ: ابتسمْ يكفيك أنَّك لم تزلْ

حيًا ، ولستَ من الأحبَّةِ مُعدما !

قال: الليالي جرَّعتني علقمًا

قلتُ: ابتسمْ ، ولئنْ جُرِّعتَ العلقما

فلعلِّ غيركَ إن رآك مرنِّمًا

طَرَحَ الكآبة جانبًا وترنَّما

أتُراك تغنمُ بالتبرُّمِ درهمًا

أم أنت تخسرُ بالبشاشةِ مغنما ؟

يا صاحِ لا خطرٌ على شفتيك أنْ

تتثلَّما ، والوجهِ أنْ يتحطَّما

فاضحكْ فإنَّ الشّهْبَ تضحكُ والدّ

جى متلاطِمٌ ، ولذا نحبُّ الأنجُما !

قال: البشاشةُ ليس تُسعِدُ كائنًا

يأتي إلى الدنيا ويذهبُ مُرْغَما

قلت: ابتسم مادام بينك والردَّى

شبرٌ ، فإنَّك بعدُ لنْ تتبسَّما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت