قوله عَزَّ وَجَلَّ: { ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ } ؛ خطابٌ لعامَّةِ الْخَلْقِ ، { قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ } يعني مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بكلمةِ التَّوحيدِ والقُرْآنِ مِنْ عِنْدِ رَبْكًُمْ ، { فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ } ؛ فصدِّقوا باللهِ ورسوله ، وبما جاءَ به من عندهِ يكُنْ خيرًا لكم من التَّكْذِيْب.
قال الخليلُ والبصريُّون: (انْتَصَبَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(خَيْرًا) لأنَّكَ إذا أمَرْتَ بفِعْلٍ دَخَلَ فِي مَعْنَاهُ ؛ تَقْدِيْرُهُ: إئْتُوا خَيْرًا لَكُمْ ، وَإذا نَهَيْتَ عَنْ فِعْلِ دَخَلَ فِي مَعْنَاهُ ؛ تَقْدِيْرُهُ: إئْتِ بَدَلَهُ خَيْرًا لَكُمْ). وقال الفرَّاءُ: (انْتَصَبَ لأنَّهُ مُتَّصِلٌُ بالأَمْرِ وَهُوَ مِنْ صِفَتِهِ) تَقْدِيْرُهُ: هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، فَلَمَّا سَقَطَ هُوَ اتَّصَلَ بَما قَبْلَهُ ، وَعَلَى هَذا: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ. وقال الكسائيُّ: (انْتَصَبَ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْكَلاَمِ) وقال: (هَذا إنَّمَا تَقُولُهُ الْعَرَبُ فِي الْكَلاَمِ التَّامِّ ، نَحْوَ قَوْلِكِ: لَتَقُومَّنَّ خَيْرًا لَكَ ، وَانْتَهِ خَيْرًا لَكَ ، وَإذا كَانَ الْكَلاَمُ نَاقِصًا رَفَعُواْ ، فَقَالَ: أنِ انْتَهُواْ خَيْرٌ لَكُمْ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } ؛ أي إنْ تَكْفُرُوا يُعَاقِبْكُمُ اللهُ ، فَإنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. وَقِيْلَ: إنْ تكفرُوا فإنَّ الله غَنِيٌّ عنكُم ، لكونهِ مَالكَ السَّمَوات والأرضِ ، { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } ؛ أي لَمْ يَزَلْ عَلِيْمًا بخلقهِ ، بمن يؤمنُ وبمن لا يؤمنُ ، حَكِيْمًا في أمرهِ ، حَكمَ بالإسلامِ على عبادهِ.