قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى } ؛ قال المفسِّرون: لَمَّا خلقَ الله آدمَ مَسَحَ ظهرَهُ ، وأخرجَ منه ذُرِّيَّتَهُ كلَّهم كهيئَةِ الذرِّ ، واختلفوا في موضعِ الميثاق ، فقال ابنُ عبَّاس: (هُوَ بَطْنُ نُعْمَانَ وَادٍ جَنْبَ عَرَفَةَ) ، وَقِيْلَ: هي أرضُ الهندِ ، وقال الكلبيُّ: (هُوَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ) .
وقال السديُّ: (أخْرَجَ اللهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَلَمْ يُهْبطْهُ إلَى الأَرْضِ ، فَأَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ ذُرِّيَّتَهُ وَكُلُّ مَنْ هُوَ خَارجٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فأَخْرَجَ مِنْ صَفْحَةِ ظَهْرِهِ الْيُمْنَى ذُرَّيَّةُ صَغَارًا بيْضًا مِثْلَ اللُّؤلُؤِ ، فَقَالَ لَهُمْ: أُدْخُلُوا الْجَنَّةَ برَحْمَتِي ، وَأخْرَجَ مِنْ صَفْحَةِ ظَهْرِهِ الْيُسْرَى ذُرِّيَّةً سُودًا ، وَقَالَ لَهُمْ: أُدْخُلُواْ النَّارَ وَلاَ أُبَالِي) .
فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ } [الواقعة: 27] ، { فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ } [الواقعة: 8-9] ، وركَّب فيهم جميعَ العقُولِ حتى سَمِعُوا كلامَ اللهِ وفَهِمُوا خطابَهُ ، فقال لَهم: اعلَمُوا أنه لا إلَهَ غَيْري ، ولا ربَّ لكم سِوَايَ ، فلا تُشرِكُوا بي شيئًا ، وأنِّي مُرسِلٌ إليكم رسُلًا يذكِّرونكم عَهدِي وميثاقي ومنَزِّلٌ عليكم كِتَابًا فَتَكَلَّموا ألستُ بربكم ؟ فقالوا: بلَى ، شهِدْنا أنَّك ربُّنا وإلَهُنا لا ربَّ غيرُكَ. فأقَرُّوا كلُّهم طائعين ، وأخذ بذلك ميثاقَهُم وكتبَ آجالَهم وأرزاقَهم ومُصابَهم.
فنظرَ إليهم آدمُ عليه السلام فرأى فيهم الغنِيَّ والفقيرَ ، وحسَنَ الصُّورة وغير ذلك ، فقال: يا رب لو شِئْتَ سوَّيتَ بينهم ، قال: ونظرَ إلى الأنبياءِ بينهم يومئذ مثل السُّرُجِ ، فلما أخذ عليهم الميثاقَ ردَّهم إلى صُلب آدمَ ، فالناسُ محبوسون في أصلابٍ آبائهم حتى يخرجَ كلُّ من أخرجَهُ في ذلك الوقتِ ، وكلُّ مَن ثبتَ على الإسلامِ فهو على الفطرةِ الأُولى ، وكلُّ مَن جَحَدَ وكفَرَ ، فإنَّما تغيَّرَ عنها ، ومنه قولهُ صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يَهُوِّدَانِهِ وَيُنْصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ إمَّا شَاكِرًا وإمَّا كَفُورًا"فَلا تقومُ الساعة حتى يولدَ كلُّ مَن أخذ ميثاقهُ ، لا يزيد فيهم ولا ينقصُ منهم.
وتقديرُ الآية: وإذْ أخذ ربُّك من ظهورِ بني آدم ذرِّياتِهم ، ولَمْ يذكُرْ ظهرَ آدم ، وإنَّما أُخرِجُوا يومَ الميثاق من ظهرهِ ؛ لأنه أخرجَ ذرِّيةَ آدمَ بعضُهم من ظهرِ بعض على نحو ما يتولَّدُ الأبناءُ من الآباءِ ، فاستغنَى عن ذكرِ ظَهْرِ آدمَ بقولهِ: { مِن بَنِي ءَادَمَ } ؛ لأنه قد عُلِمَ أنَّهم كلُّهم بنوهُ ، وأُخرجُوا من ظهرهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { شَهِدْنَآ } ؛ يجوزُ أن يكون هذا مِن قول الذينَ أُخِذ عليهم الميثاقُ. ثُم ابتدأ فقال تعالى: { شَهِدْنَآ } { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـاذَا غَافِلِينَ } ؛ ويجوز أنْ يكون تَمامُ الكلامِ عند قوله: { بَلَى } ثم يقولُ الله تعالى: شَهِدنَا عليكم ، وأخَذْنَا الميثاقَ كَيْلاَ يقولُوا يومَ القيامةِ: { إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـاذَا غَافِلِينَ } أي عن هذا الميثاقِ والإقرارِ.