فهرس الكتاب

الصفحة 2369 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } ؛ وذلك أنَّ المسلمينَ كانوا إذا غَزَوا خَلَّفُوا أزْمانَهم وكانوا يدفعونَ إليهم المفاتيحَ ويقولونَ لَهم قد أبَحْنَا لكم أن تأكُلُوا مِما في بُيُوتِنَا ، فكانوا يتحرَّجُون مِن ذلك ويقولونَ: لا ندخُلُها وهم في غَيْبٍ امتثالًا لقوله تعالَى { لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ } [النساء: 29] فَنَزَلتْ هذه الآيةُ رُخصَةً لَهم.

ومعناها: نَفْيُ الحرجِ عن الزَّمْنَى في أكْلِهم من بيوتِ أقاربهم أو بيوتِ مَن يدفعُ إليهم المفتاحَ إذا خرجَ للغَزْوِ وخَلَفَهُ بحفظِ ماله ؛ لأنَّهم كانوا يتحَرَّجون أن يأكلُوا مما يحفظونَهُ ، فأَعْلَمَهُمُ اللهُ تعالى أنه لا جُنَاحَ عليهم في ذلكَ.

وذهبَ الحسنُ إلى أن معنى الآيةِ: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيْضِ حَرَجٌ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } ؛ أي لا حرجَ عليكم أن تأكلوا من بيتكم ، أرادَ بهذا بيوتَ أبنائِكم ونسلهم ، وإنَّما أضافَ بيوتَ الأبناءِ إليهم لأنَّهم مِن أنفسهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم:"أنْتَ وَمَالُكَ لأَبيْكَ"ولِهذا قابلَهُ ببيوتِ الآباء ، فقالَ: { أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ } ؛ ولَم يقل بيوتَ أبنائكم ، فعُلِمَ أن المرادَ بقوله: { وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } أي بيوتِ أبنائِكم وأزواجِكم ، وبيتُ المرأةِ كبيت الزَّوجِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ } ؛ أخرجَ الكلامَ على وفْقِ العادةِ ؛ لأن الغالبَ مِن أحوالِ هؤلاء أن تَطِيْبَ أنفسُهم بذلكَ ، فجازَ الأكلُ مِن بيوتِهم بغيرِ إذنٍ لدلالة الحالِ.

فأمَّا إذا عَلِمَ أن صاحبَ البيت لا تطيبُ نفسهُ بذلكَ ، لا يحلُّ له أن يتناولَ شيئًا من ذلكَ ، { أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ } ؛ يعني بيوتَ عبيدِكم وإمائكم ، وذلك أن السيِّدَ يَمِلِكُ بيتَ عبدهِ ، أو الْمَفَاتِحُ معناها الخزائنُ ، كقولهِ تعالى { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } [الأنعام: 59] أي خزائنُ الغيب.

ومعناهُ: المفاتيحُ التي يُفْتَحُ بها الخزائنُ ، يعني بذلك الوكلاءَ والأُمَنَاءَ والعبيدَ الذين يَملكون أمرَ الخزائنِ وتكون مفاتِحُها بأيديهم ، فليس عليهم في الأكلِ جُنَاحٌ إذا كان أكْلًا يَسيرًا مثل أن يأكُلَ مِن ثَمَرِ حائطٍ يكون قَيِّمًا عليه أو يشربَ مِن لبنِ ماشية يكون قَيِّمًا عليها. وقال السديُّ: (الرَّجُلُ يُوَلِّي طَعَامَهُ غَيْرَهُ يَقُومُ عَلَيْهِ ، فَلاَ بَأْسَ أنْ يَأْكُلَ مِنْهُ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ صَدِيقِكُمْ } ؛ يعني صَدِيْقًا يسرُّهُ أن يأكلَ من طعامهِ ، وإنَّما أطلقَهُ على عادةِ الصحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كما روي في سبب نزُول هذا: أنَّ مَلِكَ بْنَ يَزِيْدٍ وَالْحَارثَ بْنَ عَمْرٍو كَانَا صَدِيْقَيْنِ ، فَخَرَجَ الْحَارثُ غَازيًا وَخَلَّفَ مَالِكًا فِي أهْلِهِ وَخَزَائِنِهِ ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنَ الْغَزْوِ رَأى مَالِكًا مَجْهُودًا ، قَالَ: مَا أصَابَكَ ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي أنْ آكُلَ مِنْ مَالِكَ ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ صَدِيقِكُمْ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت