فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 634

4)أَنَّ التَّبْدِيْلَ هُوَ حَاصِلٌ بِدِلَالَةِ صَرِيْحِ الحَدِيْثِ لَكِنَّهُ يَكُوْنُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى أَوِ اللَّوْحِ المَحْفُوْظِ فَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ. [1]

كَمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ - وَهُوَ يَطُوْفُ بِالبَيْتِ وَيَبْكِي: (اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أَوْ ذَنْبًا؛ فَامْحُهُ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ، فَاجْعَلْهُ سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً) . [2] [3]

(1) قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (491/ 14) : (وَالجَوَابُ المُحَقَّقُ: أَنَّ اللهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلِكَ المَكْتُوْبِ، وَإِنْ عَمِلَ مَا يُوْجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ المَكْتُوْبِ.

وَنَظِيْرُ هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّ آدَمَ لَمَّا طَلَبَ مِنَ اللهِ أَنْ يُرِيَهُ صُوْرَةَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، فَأَرَاهُ إيَّاهُمْ، فَرَأَى فِيْهِمْ رَجُلًا لَهُ بَصِيْصٌ؛ فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ فَقَالَ:(ابْنُكَ دَاوُد) . قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ: (أَرْبَعُوْنَ سَنَةً) . قَالَ: وَكَمْ عُمْرِي؟ قَالَ: (أَلْفُ سَنَةٍ) . قَالَ: فَقَدْ وَهَبْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّيْنَ سَنَةً. فَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي سِتُّوْنَ سَنَةً. قَالُوا: وَهَبْتَهَا لِابْنِك دَاوُد. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَأَخْرَجُوا الكِتَابَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ) ) . وَرُوِيَ أَنَّهُ كَمَّلَ لِآدَمَ عُمُرَهُ وَلِدَاوُدَ عُمُرَهُ. فَهَذَا دَاوُدُ كَانَ عُمُرُهُ المَكْتُوْبُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلَهُ سِتِّيْنَ. وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبَتْنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيْدًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ) . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُوْنُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُوْنُ؛ فَهُوَ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ لَهُ وَمَا يَزِيْدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَالمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَبَعْدَ كَوْنِهَا؛ فَلِهَذَا قَالَ العُلَمَاءُ: إنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ، وَأَمَّا عِلْمُ اللهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، فَلَا مَحْوَ فِيْهِ وَلَا إثْبَاتَ. وَأَمَّا اللَّوْحُ المَحْفُوْظُ فَهَلْ فِيْهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ).

وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (488/ 11) : (وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِمَا فِي عِلْمِ الحَفَظَةِ وَالمُوَكَّلِيْنَ بِالآدَمِيِّ؛ فَيَقَعُ فِيْهِ المَحْو وَالإِثْبَاتُ كَالزِّيَادَةِ فِي العُمُرِ وَالنَّقْصِ، وَأَمَّا مَا فِي عِلْمِ اللهِ فَلَا مَحْوَ فِيْهِ وَلَا إِثْبَاتَ. وَالعِلْمُ عِنْدَ اللهِ) .

وَقَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي التَّفْسِيْرِ (ص419) : ( {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ} مِنَ الأَقْدَارِ. {وَيُثْبِتُ} مَا يَشَاءُ مِنْهَا، وَهَذَا المَحْو وَالتَّغْيِيْرُ فِي غَيْرِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَكَتَبَهُ قَلَمُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيْهِ تَبْدِيْلٌ وَلَا تَغْيِيْرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ أَنْ يَقَعَ فِي عِلْمِهِ نَقْصٌ أَوْ خَلَلٌ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ} أَي اللَّوْحُ المَحْفُوْظُ، الَّذِيْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَشْيَاءِ، فَهُوَ أَصْلُهَا، وَهِيَ فُرُوْعٌ لَهُ وَشُعَبٌ. فَالتَّغْيِيْرُ وَالتَّبْدِيْلُ يَقَعُ فِي الفُرُوْعِ وَالشُّعَبِ، كَأَعْمَالِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الَّتِيْ تَكتُبُهَا المَلَائِكَةُ، وَيَجْعَلُ اللهُ لِثُبُوْتِهَا أَسْبَابًا، وَلِمَحْوِهَا أَسْبَابًا، لَا تَتَعَدَّى تِلْكَ الأَسْبَابُ مَا رُسِمَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوْظِ، كَمَا جَعَلَ اللهُ البِرَّ وَالصِّلَةَ وَالإِحْسَانَ مِنْ أَسْبَابِ طُوْلِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَكَمَا جَعَلَ المَعَاصِي سَبَبًا لِمَحقِ بَرَكَةِ الرِّزْقِ وَالعُمُرِ، وَكَمَا جَعَلَ أَسْبَابَ النَّجَاةِ مِنَ المَهَالِكِ وَالمَعَاطِبِ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَجَعَلَ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ سَبَبًا لِلعَطَبِ، فَهُوَ الَّذِيْ يُدَبِّرُ الأُمُوْرَ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَمَا يُدَبِّرُهُ مِنْهَا لَا يُخَالِفُ مَا قَدْ عَلِمَهُ وَكَتَبَهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ) .

قُلْتُ: وَحَدِيْثُ آدَمَ وَدَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ صَحِيْحٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (3368) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (5208) .

(2) صَحِيْحٌ. الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيْرِ (481/ 16) . اُنْظُرِ التَّعْلِيْقَ عَلَى حَدِيْثِ الضَّعِيْفَةِ (5448) .

(3) وَهُنَاكَ وَجْهٌ خَامِسٌ أَوْرَدَهُ بَعْضُهُم، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي العُمُرِ هِيَ بِمَعْنَى البَرَكَةِ. وَهَذَا الوَجْهُ بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ، وَالرَّاجِحُ مَا أَثْبَتْنَاهُ.

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (490/ 14) : (وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ المُرَادَ بِهِ البَرَكَةُ فِي العُمْرِ؛ بِأَنْ يَعْمَلَ فِي الزَّمَنِ القَصِيْرِ مَا لَا يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ إِلَّا فِي الكَثِيْرِ، قَالُوا: لِأَنَّ الرِّزْقَ وَالأَجَلَ مُقَدَّرَانِ مَكْتُوْبَانِ. فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: تِلْكَ البَرَكَةُ - وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي العَمَلِ وَالنَّفْعِ - هِيَ أَيْضًا مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوْبَةٌ وَتَتَنَاوَلُ جَمِيْعَ الأَشْيَاءِ) .

قُلْتُ: وَفَرَّقَ بَعْضُهُم بَيْنَ العُمْرِ وَالأَجَلِ، فَجَعَلَ العُمْرَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِدِلَالَةِ النُّصُوْصِ، وَجَعَلَ الأَجَلَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ أَيْضًا بِدِلَالَةِ النُّصُوْصِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت