وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يُوْشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ؛ أَقُوْلُ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ! وَتَقُوْلُوْنَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ?!) . [1]
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: عَجِبْتُ لِقَوْمٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ؛ وَيَذْهَبُوْنَ إِلَى رَأْيِ سُفْيَانَ!! وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُوْلُ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} (النُّوْر:63) أَتَدْرِي مَا الفِتْنَةُ? الفِتْنَةُ الشِّرْكُ، لَعَلَّهُ إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَوْلِهِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْغِ فَيَهْلَكَ. [2]
وَعَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُوْنِ اللهِ وَالمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُوْنَ} (التَّوْبَة:31) ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ! قَالَ: (أَلَيْسَ يُحَرِّمُوْنَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّوْنَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّوْنَهُ?) ، فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: (فَتِلْكَ عِبَادَتُهُم) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. [3]
فِيْهِ مَسَائِلُ:
الأُوْلَى: تَفْسِيْرُ آيَةِ اَلنُّوْر.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيْرُ آيَةِ بَرَاءَةَ.
الثَّالِثَةُ: التَّنْبِيْهُ عَلَى مَعْنَى العِبَادَةِ الَّتِيْ أَنْكَرَهَا عَدِيٌّ.
الرَّابِعَةُ: تَمْثِيْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتَمْثِيْلُ أَحْمَدَ بِسُفْيَانَ.
الخَامِسَةُ: تَغَيُّرُ الأَحْوَالِ إِلَى هَذِهِ الغَايَةِ، حَتَّى صَارَ عِنْدَ الأَكْثَرِ عُبَادَةُ الرُّهْبَانِ هِيَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ - وَتُسَمَّى الوَلَايَةُ -، وَعِبَادَةُ الأَحْبَارِ هِيَ العِلْمُ وَالفِقْهُ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ إِلَى أَنَّ عُبِدَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الصَّالِحِيْنَ، وَعُبِدَ بِالمَعْنَى الثَّانِيَ مَنْ هُوَ مِنَ الجَاهِلِيْنَ.
(1) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (3121) ، وَلَفْظُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُوْلُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُوْلُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُوْنَ؛ أَقُوْلُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَيَقُوْلُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) . قَالَ الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيْدُ) (ص417) : (بِإِسْنَادٍ صَحَيْحٍ) .
وَأَوْرَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (المَطَالِبُ العَالِيَةُ) (96/ 7) وَقَالَ: (( قَالَ إِسْحَاقُ: نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوْبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ:(وَيْحَكَ أَضَلَلْتَ! تَأْمُرُنَا بِالعُمْرَةِ فِي العَشْرِ وَلَيْسَ فِيْهِنَّ عُمْرَةٌ!) فَقَالَ: (يَا عُرَيُّ فَسَلْ أُمَّكَ) . قَالَ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَقُوْلَا ذَلِكَ؛ وَكَانَا أَعْلَمَ بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَعَ لَهُ مِنْكَ) . فَقَالَ: (مِنْ هَهُنَا تَرِدُوْنَ؛ نَجِيْئُكُمْ بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجِيْئُوْنَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) . سَنَدُهُ صَحِيْحٌ، وَبَعْضُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالعُمْرَةِ فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ).
قُلْتُ: وَإِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوِيْه فِي مُسْنَدِهِ.
(2) ذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الفُرُوْعِ (107/ 11) ، وَأَيْضًا شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (104/ 19) .
وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (الإبانَةُ الكُبْرَى) (260/ 1) عَنِ الفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: (سَمَعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ؛ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: نَظَرْتُ فِي المُصْحَفِ فَوَجَدْتُ فِيْهِ طَاعَةَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِيْنَ مَوْضِعًا، ثُمَّ جَعَلَ يَتْلوْ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} (النُّوْر:63) ، وَجَعَلَ يُكَرِّرُهَا، وَيَقُوْلُ: ومَا الفِتْنَةُ؟ الشِّرْكُ. لَعَلَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْغِ فَيَزِيْغَ فيُهْلِكَهُ. وَجَعَلَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُوْنَ حَتَّى يُحَكِّمُوْكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا} (النِّسَاء:65 ) ) .
قُلْتُ: وَأَمَّا سُفْيَانُ هُنَا فَهُوَ الثَّوْرِيُّ؛ كَمَا ذَكَرُوا فِي شُرُوْحِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ.
(3) صَحِيْحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيْرِ (92/ 17) وَالتِّرْمِذِيُّ (3095) وَحَسَّنَهُ. الصَّحِيْحَةُ (3293) .
وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفي عُنُقِي صَلِيْبٌ مِنْ ذَهَبٍ -، فَقَالَ:(يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ) ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُوْرَةِ بَرَاءَةَ {اتَّخَذْوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُوْنِ اللهِ} ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُوْنُوا يَعْبُدُوْنَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوْهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوْهُ ) ) .
وَلَمْ أَجِدْهُ فِي أَحْمَدَ - إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ قَصْدُهُ أَصْلَ الحَدِيْثِ -، وَلَمْ يَعْزُهُ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَيْهِ فِي تَخْرِيْجِهِ أَيْضًا.