-قَوْلُهُ (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الحَلِفِ) : أَيْ: مِنَ النَّهْي عَنْهُ وَالوَعِيْدِ، وَالمَقْصُوْدُ كَثْرَةُ الحَلِفِ بِاللهِ تَعَالَى.
-كَثْرَةُ الحَلِفِ هُوَ مَظَنَّةُ تَقْلِيْلِ شَأْنِ المَحْلُوْفِ بِهِ وَالاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَهُوَ يُنَافِي كَمَالَ التَّوْحِيْدِ الوَاجِبِ؛ وَيُفْضِي إِلَى الحَلِفِ كَذِبًا بِهِ، فَإِنَّمَا شُرِعَتْ اليَمِيْنُ لِتَأْكِيْدِ الأَمْرِ المَحْلُوْفِ عَلَيْهِ، وَتَعْظِيْمًا لِلخَالِقِ.
قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي التَّفْسِيْرِ [1] : (قَالَ تَعَالَى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِيْنٍ} (القَلَم:10) أَيْ: كَثِيْرِ الحَلِفِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُوْنُ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ كَذَّابٌ، وَلَا يَكَوْنُ كَذَّابًا إِلَّا وَهُوَ {مَهِيْنٌ} أَيْ: خَسِيْسُ النَّفْسِ).
-تَمَامُ الآيَةِ الَّتِي فِي المَتْنِ هُوَ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِيْنَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُوْنَ أَهْلِيْكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ} (المَائِدَة:89) . [2]
-فِي الحَلِفِ جَاءَتْ أَحَادِيْثُ مُتَنَوِّعَةٌ، وَفِيْمَا يَرْتَبِطُ بِالبَابِ نَذْكُرُ مِنْهَا:
1)حَدِيْثُ البَابِ (الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ؛ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ) .
2)حَدِيْثُ البَابِ، وَفِيْهِ (وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ; لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِيْنِهِ، وَلَا يَبِيْعُ إِلَّا بِيَمِيْنِهِ) .
3)حَدِيْثُ (إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ) . [3]
4)حَدِيْثُ (اليَمِيْنُ الكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ؛ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ) . [4]
5)حَدِيْثُ (احْلِفُوا بِاللهِ وَبِرُّوا وَاصْدُقُوا؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُحْلَفَ بِهِ) . [5]
وَعَلَيْهِ يَكُوْنُ:
1)الحَلِفُ وَكَثْرَةُ الحَلِفِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا؛ إِلَّا لِحَاجَةٍ أَو طَاعَةٍ. [6]
2)الحَلِفُ فِي البَيْعِ مَكْرُوْهٌ مُطْلَقًا.
3)أَنَّ الحَلِفَ الكَاذِبَ فِيْهِ يَزِيْدُهُ حُرْمَةً.
4)أَنَّ الحَلِفَ لَا يَكُوْنُ إِلَّا بِاللهِ، وَإِلَّا كَانَ مَعْصِيَةً وَشِرْكًا.
(1) (ص897) .
(2) وَالكِسْوَةُ: هِيَ قَدْرُ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ. تَفْسِيْرُ السَّعْدِيِّ (ص242) .
(3) مُسْلِمٌ (1607) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ مَرْفُوْعًا.
(4) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (7207) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (3363) .
(5) صَحِيْحٌ. الحِلْيَةُ (267/ 7) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (1119) .
(6) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي (الأُمِّ) (64/ 7) : (وَأَكْرَهُ الأَيْمَانَ بِاللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِيْمَا كَانَ للهِ طَاعَةً؛ مِثْلَ البَيْعَةِ عَلَى الجِهَادِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) .
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (529/ 11) - عِنْدَ شَرْحِ حَدِيْثِ البُخَارِيِّ؛ وَفِيْهِ (وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) (أي الأَنْصَارُ) : (وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيْثِ جَوَازُ الحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ قَوْمٌ: يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُم) ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ عَنِ الوَفَاءِ بِهَا. وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ أَوْ دَعَتْ إِلَيْهَا حَاجَةٌ كَتَأْكِيْدِ أَمْرٍ أَوْ تَعْظِيْمِ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيْمَ أَوْ كَانَ فِي دَعْوَى عِنْدَ الحَاكِمِ وَكَانَ صَادِقًا).