-مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوْحِيْدِ أَنَّ مِنْ إِظْهَارِ تَعْظِيْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُرَدَّ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ، وَفي رَدِّهِ إِسَاءَةٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَنقْصٌ فِي التَّوْحِيْدِ، وَفي إِعْطَائِهِ احْتِرَامٌ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى وَتَكْمِيْلٌ لِلتَّوْحِيْدِ. [1]
-إِنَّ إِجَابَةَ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ يَكُوْنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: [2]
1)حَالٌ يَحْرُمُ فيهَا رَدُّ السَّائِلِ: إِذَا تَحَقَّقَتْ قُيُودٌ هِيَ:
أ- إِذَا تَوَجَّهَ لِمُعَيَّنٍ فِي أَمْرٍ مُعَيَّنٍ؛ خَصَّكَ بِهَذَا التَّوَجُّهَ.
ب- سَأَلَكَ بِاللهِ أَنْ تُعِيْنَهُ.
ج- القُدْرَةُ عَلَى المَعُوْنَةِ. [3]
2)حَالٌ يُكْرَهُ فِيْهَا رَدُّ السَّائِلِ: إِذَا كَانَ التَّوَجُّهُ لَيْسَ لِمُعَيَّنٍ؛ كَأَنْ يَسْأَلُ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا.
3)حَالٌ يُبَاحُ: فِيْمَا إِذَا كَانَ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ يُعْرَفُ مِنْهُ الكَذِبُ.
-إِنَّ سُؤَالَ النَّاسِ مِنْ غَيرٍ حَاجَةٍ أَوْ ضَرُوْرَةِ؛ مَكْرُوْهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ، وَلِهَذَا كَانَ مِمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، حَتَّى إِنَّ سَوْطَ أَحَدِهُم لَيَسْقُطُ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ؛ فَلَا يَقُوْلُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِيه، بَلْ يَنْزِلُ وَيَأْخُذُهُ بِنَفْسِهِ. [4]
وَفِي الحَدِيْثِ (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) . [5]
(1) وَكَذَلِكَ إِعَاذَةُ مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ.
(2) أَفَادَهُ الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ حَفِظَهُ اللهُ في كِتَابِهِ (التَّمْهِيْدُ) (ص524) ؛ بِتَصَرُّفٍ يَسِيْرٍ.
(3) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِيْن رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (القَوْلُ المُفِيْدُ) (349/ 2) : (لَكِنْ لَو سَأَلَ إِثْمًا، أَوْ كَانَ فِي إِجَابَتِهِ ضَرَرٌ عَلَى المَسْئُوْلِ; فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ) .
قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الصَّحِيْحَةِ (255) : (وَوُجُوْبُ الإِعْطَاءِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَ المَسْؤُوْلُ قَادِرًا عَلَى الإِعْطَاءِ وَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهِ أَوْ بِأَهْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ) .
(4) كَمَا فِي الحَدِيْثِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: (( أَلَا تُبَايِعُوْنَ رَسُوْلَ اللهِ؟ - وَكُنَّا حَدِيْثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ - قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! - حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا -، فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ:(أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ وَتَسْمَعُوا وَتُطِيْعُوا) - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً - قَالَ: (وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا) . قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُوْلَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ؛ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ). مُسْلِمٌ (1043) .
(5) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1474) ، وَمُسْلِمٌ (1040) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوْعًا.
وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيْمِ إِلَّا لِلضَّرُوْرَةِ، وَأَوْلَى فِي المَنْعِ مِنَ الإِعْطَاءِ مَنْ جَعَلَ التَّسَوُّلَ مِهْنَةً لَهُ؛ فَيَسْأَلُ مَعَ هَذَا بِاللهِ تَعَالَى أَنْ تُعْطِيَهُ! فَهَؤُلَاءِ حَقِيْقَتُهُم عَلَى العَكْسِ مِنَ المُرَادِ النَّبَوِيِّ فِي حَدِيْثِ البَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُم لَا يُعَظِّمُوْنَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُم لَوْ عَظَّمُوْهُ؛ لَمَا جَعَلُوْهُ عُرْضَةً لِأَنْ يَسْأَلوا بِاسْمِهِ أَيَّ شَيْءٍ وَلَوْ قِرْشًا وَاحِدًا.