-المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) هَلْ تَخْرُجُ مِنَ النَّهْي الصُوْرُ المُمْتَهَنَةُ كَالفُرُشِ وَالبُسُطِ وَالوَسَائِدِ؟ كَمَا دَلَّ لِذَلِكَ أَمْرُ جِبْرِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ تُجْعَلَ الصُوْرَةُ وِسَادَتَيْنِ تُوْطَئَانِ [1] ، وَكَحَدِيْثِ (إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ) ، وَكَحَدِيْثِ الاتِّكَاءِ عَلَى مِرْفَقَةٍ فِيْهَا صُوْرَةٌ؟ [2]
الجَوَابُ: الرَّاجِحُ أَنَّ الامْتِهَانَ - وَإِنْ كَانَ أَهْوَنَ مِنْ عَدَمِهِ - فَهُوَ لَا يُخْرِجُ الصُوْرَةَ مِنْ حُكْمِ المَنْعِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ:
1)أَنَّ نَفْسَ الحَدِيْثِ - مَوْضِعِ الاسْتِدْلَالِ - جَاءَ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بالامْتِهَانِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ قَطْعِ الرُؤُوْسِ مِنَ الصُوْرَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الامْتِهَانِ لَا يَكْفِي، وَاللَّفْظُ هُوَ (أَنَّ جِبْرِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ صَوْتَهُ فَقَالَ:(ادْخُلْ) ، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيْتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيْهِ تَمَاثِيْلُ؛ فَاقْطَعُوا رُءُوْسَهَا فَاجْعَلُوْهَا بِسَاطًا أَوْ وَسَائِدَ فَاوْطَئُوْهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيْهِ تَمَاثِيْلُ). [3]
فَإِنْ قِيْلَ: فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الوَسَائِدِ المَوْطُوْءَةِ إِذًا؟
فَالجَوَابُ عَلَيْهِ: أَنَّ هَذَا يَكُوْنُ إِرْشَادًا إِلَى عَدَمِ إِتْلَافِهِ مُطْلَقًا؛ وَإِنَّمَا تَغْيِيْرُهُ بِطَرِيْقَةٍ تُمَكِّنُ مِنَ الانْتِفَاعِ بِهِ كَالوَسَائِدِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [4]
(1) وَالحَدِيْثُ بِتَمَامِهِ (أَتَانِي جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ البَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُوْنَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيْلُ، وَكَانَ فِي البَيْتِ قِرَامَي سِتْرٍ فِيْهِ تَمَاثِيْلُ، وَكَانَ فِي البَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِيْ فِي البَيْتِ يُقْطَعُ فَيَصِيْرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ) . صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (4158) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (356) .
(2) وَالحَدِيْثُ بِتَمَامِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ - وَقَدْ اشْتَرَيْتُ نَمَطًا فِيْهِ صُوْرَةٌ - فَسَتَرْتُهُ عَلَى سَهْوَةِ بَيْتِي، فَلَمَّا دَخَلَ كَرِهَ مَا صَنَعْتُ وَقَالَ:(أَتَسْتُرِيْنَ الجُدُرَ يَا عَائِشَةُ؟!) فَطَرَحْتُهُ فَقَطَعْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُهُ مُتَّكِئًا عَلَى إِحْدَاهُمَا وَفِيْهَا صُوْرَةٌ). صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (26103) . آدَابُ الزِّفَافِ (ص185) . وَ (النَّمَطُ) : بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ.
(3) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (8079) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. الصَّحِيْحَةُ (356) .
وَأَمَّا لَفْظُ النَّسَائِيِّ (5365) الَّذِيْ فِيْهِ التَخْيِيْرُ وَهُوَ (فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوْسُهَا أَوْ تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوْطَأُ) فَهُوَ مَرْجُوْحٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أ- مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ، قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الصَّحِيْحَةِ (356) : (قُلْتُ: وَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ(أي لِـ يُونُسَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ وَهُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) ، فَقَالَ أَحْمَدُ (2/ 308) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ مُخْتَصَرًا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَوْلَا أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ - وَهُوَ السَّبِيْعِيَّ؛ وَالِدَ يُوْنُس - كَانَ تَغَيَّرَ فِي آخِرِهِ، وَقَدْ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ، فَرَوَاهُ عَنْهُ مَعْمَرُ هَكَذَا، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِهِ نَحْوَهُ بِلَفْظِ (فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوْسُهَا أَوْ تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوْطَأُ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (2/ 302) وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ مَعْمَرًا حَفِظَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ الكُوْفِيُّ، قَالَ الحَافِظُ: (ثِقَةٌ عَابِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَبُرَ سَاءَ حِفْظُهُ، وَكِتَابُهُ صَحِيْحٌ ) ) .
ب- مِنْ جِهَةِ الفِقْهِ: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دُخُوْلِ البَيْتِ - وَفِيْهِ النُمْرُقَةُ (الوِسَادَةُ) الَّتِيْ عَلَيْهَا صُوْرَةٌ - وَهِيَ مُمْتَهَنَةٌ بِلَا رَيْبٍ. وَقَدْ سَبَقَ الحَدِيْثُ فِي ذَلِكَ.
(4) وَأَمَّا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ (رَخَّصَ فِيْمَا كَانَ يُوطَأُ، وَكَرِهَ مَا كَانَ مَنْصُوْبًا) فَهُوَ ضَعِيْفٌ جِدًّا. الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ (5703) . الضَّعِيْفَةُ (5998) .