-المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ) مَا الجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيْكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} (المَائِدَة:94) وَالَّذِيْ فِيْهِ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ مَا سَيَكُوْنُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا بَعْدَ الوُقُوْعِ؟ [1]
الجَوَابُ: أَنَّ هَذَا العِلْمَ عِلْمٌ آخَرُ غَيْرُ العِلْمِ السَّابِقِ، فَهُوَ عِلْمُ مُشَاهَدَةٍ وَظُهُوْرٍ، أَمَّا العِلْمُ السَّابِقُ لَهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ عِلْمٌ أَزَلِيٌّ بِمَا كَانَ وَمَا سَيَكُوْنُ - كَمَا سَبَقَ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأَدِلَّةِ -، وَلَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ العِلْمَ المُضَارِعَ للعَمَلِ هُوَ الَّذِيْ يُبْنَى عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَذَلِكَ كَيْ لَا يَكُوْنَ لِلعَاصِي حُجَّةٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ. [2]
قَالَ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ [3] : (القَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالأَرْبَعُوْنَ: مَتَى عَلَّقَ اللهُ عِلْمَهُ بِالأُمُوْرِ بَعْدَ وُجُوْدِهَا؛ كَانَ المُرَادُ بِذَلِكَ العِلْمَ الَّذِيْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزَاءُ) .
(1) وَمِثْلُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِيْنَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِيْنَ} (آل عِمْرَان:142) .
(2) قُلْتُ: وَأَمَّا لَوْ اسْتَنْفَدَ العَاصيُ فُرْصَتَهُ فِي العَمَلِ؛ فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى السَّابِقَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُوْنَ} (الأَنْعَام:28) .
(3) القَوَاعِدُ الحِسَانُ فِي تَفْسِيْرِ القُرْآنِ (ص123) .