وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاَلَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ؛ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ؛ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [1]
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ؛ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَكَ. سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ? قَالَ: اُكْتُبْ مَقَادِيْرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ) . يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي) . [2]
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ؛ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) . [3]
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ؛ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ؛ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ) . [4]
وَفِي المُسْنَدِ واَلسُّنَنِ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ; قَالَ: (أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ القَدَرِ; فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُوْدٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي صَحِيْحِهِ. [5]
فِيْهِ مَسَائِلُ:
الأُوْلَى: بَيَانُ فَرْضِ الإِيْمَانِ بِالقَدَرِ.
الثَّانِيَةُ: بَيَانُ كَيْفَيَّةِ الإِيْمَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِحْبَاطُ عَمَلِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الرَّابِعَةُ: الإِخْبَارُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجِدُ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِهِ.
الخَامِسَةُ: ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ.
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ جَرَى بِالمَقَادِيْرِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
السَّابِعَةُ: بَرَاءَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الثَّامِنَةُ: عَادَةُ السَّلَفِ فِي إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ بِسُؤَالِ العُلَمَاءِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ العُلَمَاءَ أَجَابُوْهُ بِمَا يُزِيْلُ شُبْهَتَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا الكَلَامَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ.
(1) مُسْلِمٌ (8) .
وَالحَدِيْثُ بِتَمَامِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِيْنَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُوْلُ هَؤُلَاءِ فِي القَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ دَاخِلًا المَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي - أَحَدُنَا عَنْ يَمِيْنِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ - فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُوْنَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُوْنَ العِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ - وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيْتَ أُوْلَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيْءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي. وَالَّذِيْ يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ؛ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ..).
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ) (130/ 1) : (قَوْلُهُ:(يَتَقَفَّرُوْنَ العِلْمَ) : أَيْ: يَطْلُبُوْنَهُ وَيَتَّبِعُوْنَ أَثَرَهُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَتَقَفَّرُ الشَّيْءَ إِذَا طَلَبَهُ وَاجْتَهَدَ فِي البَحْثِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ (يَزْعُمُوْنَ أَنْ لَا قَدَرَ) : أَيْ: أَنَّ الأَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْ تَقْدِيْرُهَا.
وَقَوْلُهُ (أَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ) : أَيْ: مُسْتَأْنَفٌ؛ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيْهِ قَدَرٌ وَلَا مَشِيْئَةٌ، يُقَالُ: رَوْضَةٌ أُنُفٌ إِذَا كَانَتْ وَافِيَةَ الكَلَإِ لَمْ يُرْعَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَيَعْنُوْنَ أَنَّ مَا نَعْمَلُهُ لَمْ يُقَدَّرْ).
(2) صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (4700) ، وَالتِّرْمِذِيُّ (2155) . صَحِيْحُ الجَامِعِ (2018) .
(3) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (22705) . قَالَ الشَّيْخُ شُعَيْبُ الأَرْنَؤُوطُ فِي تَحْقِيْقِ المُسْنَدِ: (حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ؛ وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ) .
(4) كِتَابُ (القَدَرِ) (121/ 1) لِابْنِ وَهَبٍ.
(5) صَحِيْحٌ. السُّنَّةُ (245) لِابْنِ أَبي عَاصِمٍ، وَأَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ (21589) ، وَابْنُ حَبَّانَ فِي صَحِيْحِهِ بِرَقَم (727) . ظِلَالُ الجَنَّةِ (245) .
مُلَاحَظَةٌ: لَمْ أَجِدِ الحَدِيْثَ عِنْدَ الحَاكِمِ.