وَمِثْلُ مَا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَوَاصِمِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ: أَنَّهُ وَرَدَ بِهَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هُورَانَ الْقُشَيْرِيُّ الصُّوفِيُّ مِنْ نَيْسَابُورَ فَعَقَدَ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ ، وَحَضَرَ فِيهِ كَافَّةُ الْخَلْقِ ، وَقَرَأَ الْقَارِئُ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (5) سورة طه، قَالَ لِي أَخَصُّهُمْ: مَنْ أَنْتَ - يَعْنِي الْحَنَابِلَةَ - يَقُومُونَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجْلِسِ وَيَقُولُونَ قَاعِدٌ ! قَاعِدٌ ! بِأَرْفَعِ صَوْتٍ وَأَبْعَدِهِ مَدًى ، وَثَارَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْقُشَيْرِيِّ وَمِنْ أَهْلِ الْحَضْرَةِ ،وَتَثَاوَرَ الْفِئَتَانِ وَغَلَبَتِ الْعَامَّةُ ،فَأَحْجَرُوهُمْ إِلَى مَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ وَحَصَرُوهُمْ فِيهَا وَرَمَوْهُمْ بِالنِّشَابِ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ قَوْمٌ ، وَرَكِبَ زَعِيمُ الْكُفَاةِ وَبَعْضُ الدَّارِيَّةِ فَسَكَنُوا ثَوْرَتَهُمْ .
فَهَذَا أَيْضًا مِمَّنْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ الْبِدْعَةِ حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْقَتْلِ ، فَكُلُّ مَنْ بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغَ حَقِيقٌ أَنْ يُوصَفَ بِالْوَصْفِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَإِنْ بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ الْحَرْبَ .
وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَاخَلُوا الْمُلُوكَ فَأَدْلَوْا إِلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ الْوَاهِيَةِ ، وَصَغَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَمَلَةَ السُّنَّةِ وَحُمَاةَ الْمِلَّةِ ،حَتَّى وَقَفُوهُمْ مَوَاقِفَ الْبَلْوَى ،وَأَذَاقُوهُمْ مَرَارَةَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَانْتَهَى بِأَقْوَامٍ إِلَى الْقَتْلِ ، حَسْبَمَا وَقَعَتِ الْمِحْنَةُ بِهِ زَمَانَ بِشْرٍ الْمَرِّيسِيِّ [1] فِي حَضْرَةِ الْمَأْمُونِ وَابْنِ أَبِي دُؤَادٍ وَغَيْرِهِمَا .
فَإِنْ لَمْ تَبْلُغِ الْبِدْعَةُ بِصَاحِبِهَا هَذِهِ الْمُنَاصَبَةَ فَهُوَ غَيْرُ مُشْرَبٍ حُبَّهَا فِي قَلْبِهِ كَالْمِثَالِ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَمْ مِنْ أَهْلِ بِدْعَةٍ لَمْ يَقُومُوا بِبِدْعَتِهِمْ قِيَامَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ ، بَلِ اسْتَتَرُوا بِهَا
(1) - بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، العدوي بالولاء، أبو عبد الرحمن: فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، يرمى بالزندقة. وهو رأس الطائفة (المريسية) القائلة بالارجاء، وإليه نسبتها. أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف، وقال برأي الجهمية، وأوذي في دولة هارون الرشيد. وكان جده مولى لزيد بن الخطاب. وقيل: كان أبوه يهوديا. وهو من أهل بغداد ينسب إلى (درب المريس) فيها. عاش نحو 70 عاما. وقالوا في وصفه: كان قصيرا، دميم المنظر، وسخ الثياب، وافر الشعر، كبير الرأس والاذنين. له تصانيف. وللدارمي كتاب (النقض على بشر المريسي - ط) في الرد على مذهبه"الأعلام للزركلي - (2 / 55) ووفيات الأعيان 1: 91 والنجوم الزاهرة 2: 228 وتاريخ بغداد 7: 56 وميزان الاعتدال 1: 150 ولسان الميزان 2: 29 وسير أعلام النبلاء (10/201) "