فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 366

أَمَّا الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِدَعِ مُخْرِجَةٌ مِنَ الْإِسْلَامِ ، أَوْ لَيْسَتْ مُخْرِجَةً ، وَالْخِلَافُ فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فِي الْعَقَائِدِ مَوْجُودٌ - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ - فَحَيْثُ نَقُولُ بِالتَّكْفِيرِ لَزِمَ مِنْهُ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ عَلَى الْقَاعِدَةِ إِنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ . يَحْتَمِلُ عَدَمَ التَّكْفِيرِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا نُفُوذُ الْوَعِيدِ

وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ فَيَحْتَمِلُ - عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ - أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: نُفُوذُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ غُفْرَانٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ .وَقَوْلُهُ هُنَا: كُلُّهَا فِي النَّارِ أَيْ مُسْتَقِرَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهَا .

وَالْأَمْرُ الثَّانِي مِنِ احْتِمَالِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالْمَشِيئَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ إِنْفَاذُ الْوَعِيدِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ . قِيلَ: بَلَى ؛ قَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْكَبَائِرِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَكِنْ دَلَّهُمُ الدَّلِيلُ فِي خُصُوصِ كَبَائِرَ عَلَى أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَلَابُدَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُتَّبَعَ هُوَ الدَّلِيلُ ، فَكَمَا دَلَّهُمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي الْمَشِيئَةِ، كَذَلِكَ دَلَّهُمْ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (48) سورة النساء ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (93) سورة النساء. فَأَخْبَرَ أَوَّلًا أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّمُ ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:"خَالِدًا فِيهَا"عِبَارَةٌ عَنْ طُولِ الْمُكْثِ فِيهَا ، ثُمَّ عَطَفَ بِالْغَضَبِ ، ثُمَّ بِلَعْنَتِهِ ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا وَالْإِعْدَادُ قَبْلَ الْبُلُوغِ إِلَى الْمُعَدِّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِهِ لِلْمُعَدِّ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْمَخْلُوقِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ .

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ تَحَلُّلُهُمْ أَوْ رَدُّ التِّبَاعَاتِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى الْقَاتِلِ إِلَيْهِ إِلَّا بِأَنْ يُدْرِكَ الْمَقْتُولَ حَيًّا فَيَعْفُوَ عَنْهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ .

وَأَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ نَقُولَ: وَمِنْ شَرْطِ خُرُوجِهِ مِنْ تِبَاعَةِ الْقَتْلِ مَعَ التَّوْبَةِ اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: إِمَّا بِبَذْلِ الْقِيمَةِ لَهُ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ فَوْتِ الْمَقْتُولِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت