وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَهْلُ الْبِدَعِ فِيهِمُ الْمُنَافِقُ الزِّنْدِيقُ فَهَذَا كَافِرٌ وَيَكْثُرُ مِثْلُ هَذَا فِي الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة فَإِنَّ رُؤَسَاءَهُمْ كَانُوا مُنَافِقِينَ زَنَادِقَةً . وَأَوَّلُ مَنِ ابْتَدَعَ الرَّفْضَ كَانَ مُنَافِقًا [1] . وَكَذَلِكَ التَّجَهُّمُ فَإِنَّ أَصْلَهُ زَنْدَقَةٌ وَنِفَاقٌ . وَلِهَذَا كَانَ الزَّنَادِقَةُ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَأَمْثَالِهِمْ يَمِيلُونَ إلَى الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة لِقُرْبِهِمْ مِنْهُمْ . وَمِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَنْ يَكُونُ فِيهِ إيمَانٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا لَكِنْ فِيهِ جَهْلٌ وَظُلْمٌ حَتَّى أَخْطَأَ مَا أَخْطَأَ مِنَ السُّنَّةِ ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرِ وَلَا مُنَافِقٍ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ يَكُونُ بِهِ فَاسِقًا أَوْ عَاصِيًا ؛ وَقَدْ يَكُونُ مُخْطِئًا مُتَأَوِّلًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ ؛ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ بِقَدْرِ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ . وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَقَالَةَ تَكُونُ كُفْرًا: كَجَحْدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَتَحْلِيلِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ثُمَّ الْقَائِلُ بِهَا قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخِطَابُ وَكَذَا لَا يُكَفَّرُ بِهِ جَاحِدُهُ كَمَنْ هُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ لَمْ تَبْلُغْهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ فَهَذَا لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِ شَيْءٍ مِمَّا أَنْزَلَ عَلَى الرَّسُولِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى الرَّسُولِ وَمَقَالَاتُ الْجَهْمِيَّة هِيَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَإِنَّهَا جَحْدٌ لِمَا هُوَ الرَّبُّ تَعَالَى عَلَيْهِ وَلِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ . وَتُغَلَّطُ مَقَالَاتُهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النُّصُوصَ الْمُخَالِفَةَ لِقَوْلِهِمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَشْهُورَةٌ وَإِنَّمَا يَرُدُّونَهَا بِالتَّحْرِيفِ .
الثَّانِي: أَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ تَعْطِيلُ الصَّانِعِ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ مُسْتَلْزِمٌ تَعْطِيلَ الصَّانِعِ ، فَكَمَا أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ الْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ فَأَصْلُ الْكُفْرِ الْإِنْكَارُ لِلَّهِ .
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا وَأَهْلُ الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ كُلِّهَا ؛ لَكِنْ مَعَ هَذَا قَدْ يَخْفَى كَثِيرٌ مِنْ مَقَالَاتِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ لِمَا يُورِدُونَهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ .
وَيَكُونُ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ مُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ؛ وَإِنَّمَا الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ وَاشْتَبَهَ هَذَا كَمَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْمُبْتَدِعَةِ فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا كُفَّارًا قَطْعًا بَلْ قَدْ يَكُونُ
(1) - اانظر البدء والتاريخ 5: 129 ولسان الميزان 3: 289 وعقيدة الشيعة 58 و 59 وتهذيب ابن عساكر 7: 428.