ومن آفة العلم في فن من فنونه، أن يحمل صاحبه على أن ينظر إلى رأيه نظرة المعجب المتنزه، ثم لا يلبث أن يفسده طول التمادي في إعجابه بما يحسن من العلم، حتى يقذفه إلى اجتلاب الرؤى فيما لا يحسن، ثم لا تزال تغيره عادة الإعجاب بنفسه حتى ينزل ما لا يحسن منزلة ما يحسن، ثم يصر، ثم يغالي، ثم يعنف، ثم يستكبر، ثم إذا هو عند الناس قصير الرأي والعقل على فضله وعلمه" (32) ."
ولقد كان الصحابة الكرام _رضي الله عنهم_ يراعون هذا الأدب الحكيم؛ فما كانوا يتكلمون في كل شيء، بل كانوا يراعون المكان، والزمان، والحال، ويراعون العقول، والأفهام، ومراميَ الكلام.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، منها ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال:"كنت أُقْرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - ، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في آخر حجة حجها إذ رجع إليَّ عبدالرحمن - رضي الله عنه - فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر - رضي الله عنه - لقد بايعت فلانًا؛ فوالله ما كانت بيعة أبي بكر - رضي الله عنه - إلا فلتة، فتمت، فغضب عمر - رضي الله عنه - ثم قال: إني _إن شاء الله_ لقائمٌ العشيةَ في الناس، فمحذِّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم"
قال عبدالرحمن - رضي الله عنه -: فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رَعاعَ الناس وغوغاءهم؛ فإنهم هم الذين يغلبون على قُرْبك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيِّرها عنك كل مُطَيِّر، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها؛ فأَمْهِلْ حتى تَقْدُمَ المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة فَتَخْلُصَ بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها.
فقال عمر - رضي الله عنه -:أما والله_إن شاء الله_لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة"الحديث. (33) "