لا يملأُ الهولُ قلبي قبل وقعته *** ولا أضيق به ذرعًا إذا وقعا
هذه الخصال يمتثلها عظماء الرجال؛ فلم يكونوا يتخلون عن مروآتهم، وعاداتهم النبيلة حتى في أحلك المواقف.
وها هو سيد العظماء، وسيد ولد آدم نبينا محمد _عليه الصلاة والسلام_ يضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك؛ فهو يقوم بصغار الأمور وكبارها؛ فلم يمنعه قيامه بأمر الدين، وحرصه على نشره، وقيادته للأمة، وتقدمه في ساحات الوغى_ لم يمنعه ذلك كله من ملاطفة ذلك الطفل الصغير الذي مات طائره، وقولِه له:"يا أبا عمير ما فعل النغير!" (4)
ولم يكن أحد يلهيه عن أحد *** كأنه والد والناس أطفال
فإذا لزم المرء هذه الطريقة؛ فلم يَخِفَّ عند السراء، ولم يتضعضع حال الضراء _ فأحرِ به أن يعلو قدره، ويتناهى سؤدده، وأن تنال الأمة من خيره.
تذكر كتب السير التي تناولت سيرة عمر بن عبدالعزيز- رضي الله عنه - أنه لما دَفَنَ ولَدَه عبدالملك _ وهو أبر أولاده، وأكثرهم دينًا وعقلًا _ مرَّ بقوم يرمون؛ فلما رأوه أمسكوا، فقال: ارموا، ووقف، فرمى أحدُ الراميين فأخرج _ يعني أبعد عن الهدف _ فقال له عمر: أخرجت فقصِّر، وقال للآخر: ارمِ، فرمى فقصَّر _ أي لم يبلغ الهدف _ فقال له عمر: قصَّرت فبلِّغ.
فقال له مسلمة بن عبدالملك: يا أمير المؤمنين! أَتْفِرغ قلبك إلى ما تفرغت له، وإنما نفضت يدك الآن من تراب قبر ابنك، ولم تصل إلى منزلك؟ فقال له عمر: يا مسلمة! إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت المصيبة فالْهُ عما نزل بك" (5) فالأخذ بهذه السيرة_أعني الاعتدال حال نزول الفتن_ ينفع كثيرًا، ويدفع الله به شرًا مستطيرًا؛ لأن الناس حال الفتن يموجون، ويضطربون، وربما غاب عنهم كثير من العلم؛ فلذلك يحتاجون_وخصوصًا من كان عالمًا، أو رأسًا مطاعًا_ إلى لزوم السكينة، والاعتدال؛ حتى يُثَبِّتوا الناس، ويعيدو الطمأنينة إلى النفوس، ولا تقطعهم تلك النوازل عما هم بصدده من عمل."
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله -: (ولهذا لما مات النبي"ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم؛ حتى أوهنت العقول، وطيشت الألباب، واضطربوا اضطراب الأرشية في"