فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 366

وهكذا لو تتبعنا كثيرًا من الأعمال لوجدناها كذلك. لوجدنا مثلًا أن كثيرًا من الناس قد يشقون على أنفسهم ويضجرونها في تحمل كثير من التطوعات التي بها يحرمون الأنفس لذاتها وراحتها التي أبيحت لها وآخرون يقصرون فلا يأتون بشيء منها أصلًا. ودين الله وسط بين ذلك.

مثال واقعي

فنذكر من ذلك قصة عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه التي في الصحيح فإنه كان في أول شبابه كثير العبادة، فشق على نفسه، فكان يصوم الشهر كله، فيصوم الدهر، وكان يصلي الليل كله، ويختم القرآن في كل ليلة، في تهجده، وهذا فيه غلو، ومشقة وفيه تعب، يؤدي إلى أنه يفوت عليه حقوقًا واجبة. فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا غلو، وقال: إن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لربك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه. وهذا لا شك أنه زيادة تُمِل الإنسان من العبادة وتضجره وهناك آخرون لا يعرفون مثل هذه العبادات ولو كانت نوافل. فلا يصلي أحدهم نافلة أصلا، ولا يصوم إلا ما فرض عليه، ولا يأتي بشيء من النوافل، ولا يتقرب بشيء من القربات، وكأنه غافل أو مستغن عن هذه العبادات ونحوها. فلا شك أن هذا في طرف، وذاك في طرف، فالذي كلف نفسه مشقة متطرف شديد التطرف. والذي تساهل في العبادات ولم يأت بشيء من العبادات المسنونة، ولم يتقرب بشيء من نوافلها، أيضًا متطرف غاية التطرف. ودين الإسلام وسط، وهو أن تتقرب إلى الله بقربات لا تكلف بها نفسك ولا تضرها بها ولا تحرمها من حقها، ومن الحقوق الواجبة عليك، وما أشبه ذلك. ولا تنس عبادة الله، ولا تشتغل بالملذات والشهوات عن حق الله، ولا تعط نفسك كل ما تشتهيه من لذة ونوم وشهوة بطن وشهوة فرج، كمأكل ومشرب وملبس، ونحو ذلك، فهذا أيضًا إفراط وتفريط.

التوسط في أمور العادات

أولًا:- لك أن تقيس أيها الأخ ذلك في كل شيء، حتى في الأمور العادية، كأمور المأكل والمشرب والملبس وما أشبه ذلك. فإن الإسلام جاء فيها بالوسط. فمثلًا اللباس الذي هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت