على بعض الناس الغلو والإفراط والزيادة، وأدخل على بعضهم التقصير والتفريط والنقصان. وذلك كله وسوسة من الشيطان وتسويل لهم، حتى لا يفعلوا الدين كما جاء.
ونبدأ بمبادئ العبادة. فنبدأ مثلًا بالطهارة. فإن الطهارة عبادة شرعية، أمر الله بها ولكن يفعلها عباد الله فعلا متوسطًا، لا إفراط ولا تفريط. وهناك طائفتان في الطهارة متطرفتان، إحداهما قد غلت، والأخرى قد جفت. فالذين غلوا هم الذين زادوا في الطهارة ما ليس منها وتشددوا فيها تشددا زائدا، حتى زهدوا فيما نقل لهم من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، ومن كيفية تطهره ووضوئه واغتساله وغير ذلك، واعتقدوا أن ذلك لا يطهر فزادوا وغلوا. فجاء الإسلام بالأمر الوسط. لا إفراط هؤلاء الذين غلوا في الطهارة، ولا جفاء أولئك الذين لا يبالغون ولا يسبغون الطهارة ولا يتمونها. كلا الطائفتين منحرفتان. الطائفة الذين غلوا ترى أحدهم يتوضأ بصاع أو بصاعين، وترى أحدهم يغسل وجهه خمسا أو عشرا ويرى أنه ما طهر، ويغسل يديه مرارا قد تتجاوز العشر. وكذلك الاغتسال، ربما يغتسل نصف ساعة، وربما ساعة، وربما ساعتين، كما حدثني بعضهم أنه يقيم في مزاولة الاغتسال ساعتين. وكذلك في الوضوء مدة طويلة.
وهكذا أيضا في باب النجاسة، في باب إزالة النجاسة، فترى أحدهم إذا وقعت عليه نجاسة لا يكتفي بغسلها مرتين أو ثلاثا مع زوالها، بل ربما غسلها عشرا، أو أكثر من عشر وربما حك جلده حتى يخرج الدم.
وهكذا في باب الاستنجاء الذي هو غسل أثر البول والغائط، وأكثر ما قيل إنه يغسل سبع مرات وفي حديث ضعيف مذكور في شرح الزركشي عن ابن عمر: أمرنا بغسل الأنجاس سبعا. ولكن تجد أحدهم يغسله عشرات المرات، ويصب على فرجه عددا من الغرفات وكل ذلك من الغلو والزيادة التي ما أنزل الله بها من سلطان. ولا شك أيضًا أنها وسوسة من الشيطان ليمل العبد من العبادة. وذلك لأنه متى دام على هذا التطهر الشديد برهة من الزمان، كسنة أو سنتين، مل وضجر واستثقل العبادة، وربما ترك الصلاة لاستثقال الطهارة، كما حدثني أناس وقع بهم ذلك الفعل أنهم لما كان أحدهم لا يتوضأ إلا في ساعتين قال: كيف أصلي هذه الصلوات، فصار يجمع الصلوات الخمس في وضوء واحد،