ونحن نذكر فصلا مختصرا في حال الإنسان من مبدئه إلى نهايته لنجعله مرآة له ينظر فيها قول خالقه وبارئه { وفي أنفسكم أفلا تبصرون }
لما اقتضى كمال الرب تعالى - جل جلاله - وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة و أنشأهم من الصور المختلفة والتباين العظيم بينهم في المواد والصور والصفات والهيئات والأشكال والطبائع والقوى اقتضت حكمته أن اخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت صلصالا كالفخار ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات وصورها فأبدع في تصويرها وأظهرها في أحسن الأشكال وفصلها أحسن تفصيل مع اتصال أجزائها وهيأ كل جزء منها لما يراد منه وقدره لما خلق له عن أبلغ الوجوه ففصلها في توصيلها وأبدع في تصويرها وتشكيلها والملائكة تراها ولا تعرف ما يراد منها وإبليس يطيف بها ويقول: لأمر ما خلقت فلما تأكل تصويرها وتشكيلها وتقدير أعضائها وأوصالها وصارت جسدا مصورا مشكلا كأنه ينطق إلا أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل إليه روحه فنفخ فيه نفخة وانقلب ذلك الطين لحما ودما وعظاما وعروقا وسمعا وبصرا وشما ولمسا وحركة وكلاما فأول شيء بدأ به أن قال الحمد لله رب العالمين فقال له خالقه وبارئه ومصوره يرحمك الله يا آدم فاستوى جالسا أجمل شيء وأحسنه منظرا وأتمه خلقا وأبدعه صورة فقال الرب تعالى لجميع ملائكته { اسجدوا لآدم } فبادروا بالسجود تعظيما وطاعة لأمر الواحد المعبود ثم قال لهم: لنا في هذه القبضة نم التراب شرع أبدع مما ترون وجمال باطن أحسن مما تبصرون فلنزينن باطنه أحسن من زينة ظاهره ولنجعلنه من أعظم آياتنا نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة فكان التعليم زينة الباطن وجماله وذلك التصوير زينة الظاهر في أكمل شيء وأجمله صورة ومعنى كل ذلك صنعته تبارك وتعالى في ققضة من تراب ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن والجمال ليسكن إليها وتقر نفسه وليخرج من بينهما من لا يحصى عدده من الرجال والنساء سواه