وجعل سبحانه في المعدة أربع قوى: قوة جاذبة للملائم: وقوة منضجة له وقوة ممسكة له وقوة دافعة للفضلة المستغنى عنها منه ورئيس هذه القوى هي القوة المنضجة وسائرها خدم لها وحصت المعدة عن سائر الأعضاء بأن أودع فيها قوة تحس بالعوز والنقصان وخاصتها تنبيه الحيوان لتناول الغذاء عند الحاجة وأما سائر الأعضاء فإنها تتغذى بالنبات باجتذاب الملائم إليها ولما احتاجت المعدة إلى قوة وحس بالعوز ولم يكن ذلك إلا من معدن الحواس وهو الدماغ أتاها روح لعصب عظيم فأنبت أكثرها في فمها وما يليه وباقيه مستقيا حتى بلغ قعرها
فإن قيل: فما الحكمة في أن باعد الله سبحانه بين المعدة والفم وجعل بينهما مجرى طويلا وهو المرىء وهلا اتصلت المعدة بالفم واستغنت عن المرىء ؟ قيل: هذا من تمام حكمة الخالق وفيه منافع كثيرة منها أن يحصل للغذاء تغير ما في طريق المجرى فيلطف قبل وصوله إليها ومنها بعده عن آلة التنفس لئلا تعوقه وتعوق الصوت والكلام وأن لا تنقلب المعدة إلى خارج عند شدة الجوع كما يعرض ذلك للحيوان الشره إذا كان قصير العنق
فإن قيل: فلم كانت إلى الجانب الأيسر أميل إلى الجانب الأيمن ؟ قيل: ليتسع المكان على الكبد ولا ينحصر
فإن قيل: فهلا كانت مستقيمة في وضعها بل مال أسفلها إلى الجانب الأيمن ؟ قيل: ليتسع المكان على الطحال حيث كان أخفض موضعا من الكبد
فإن قيل: فلم جعلت مستطيلة مدورة وجعلت مما يلي الصلب مسطحة ؟
قيل: لما وضعها الله بين الكبد والطحال جعلها مستطيلة وكانت مستديرة لتتسع للطعام وللشرات وكان أسفلها أوسع من أعلاها لذلك وجعل لها مدخلا وهو المرىء ومخرجا يسمى البواب وجعل البواب أضيق من المرىء لأن ما تبتلعه يكون أصلب وأخشن مما تخرجه فجعل مدخل الداخل أوسع من مخرج الخارج لإنضاجه في المعدة ولينه ولحكم آخر: منها أن لا ينزل منه الطعام والشراب قبل نضجه ولتقوى المعدة على حبسه وليخرج أولا فأولا لا دفعة واحدة والمرىء يتسع بالتدريج حتى يبلغ المعدة ولذلك يظن أنه جزء منها وأما البواب فإن الجزء الضيق منه
يتصل بأسفلها الذي هو أوسعها ثم يتسع على التدريج ليسهل خروج الفضلة