فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 151

ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون وأنهم { آخذين ما آتاهم ربهم } من الخير والكرامة

وفي ذلك دليل على أمور: منها قبولهم له ومنها رضاهم به ومنها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم فكما أخذوا ما أمرهم به في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانهم المتضمن لعبادته وحده لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده ثم ذكر ليلهم وأنهم قليل هجوعهم منه

وقد قيل إ ن ( ما ) نافية والمعنى ما يهجعون قليلا من الليل فكيف بالكثير ؟ وهذا ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقوق هذا الجزاء ( الثاني ) أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامه كله ( الثالث ) أنه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وما قام ليلة حتى الصباح ( الرابع ) أن الله سبحانه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا من الليل كله فقال { ومن الليل فتهجد به } ( الخامس ) أنه سبحانه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامه كله ( السادس ) أنه صلى الله عليه و سلم لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنه لا ينام من الليل بعث إليه فجاء فقال [ يا عثمان أرغبت عن سنتي ؟ قال: لا والله يا رسول و لكن سنتك أطلب قال: فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله ياعثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم ] ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلا بين ساريتين إذا فترت تعلقت به أنكر ذلك وأمر بحله ( السابع ) أن الله أثنى عليهم بأنهم كانت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } وتقلق عنها حتى يقوموا إلى الصلاة ولهذا جازاهم عن هذا التجافي - الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى الصلاة - بقرة الأعين - ( الثامن ) أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه الآية - لم يفهموا منها عدم نومهم بالليل أصلا فروى بجبر بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } قال: كانوا يصلون مابين المغرب والعشاء ( التاسع ) أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام وتقديما لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل قليلا مفعول يهجعون وهو منفى والبصريون لايجيزون ذلك وإن أجازه الكوفيون وفصل بعضهم فأجازه في الظرف ولم يجزه في غيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت