إذا عرف هذا فهو سبحانه يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها تارة يقسم على التوحيد وتارة يقسم على أن القرآن حق وتارة على أن الرسول حق وتارة على الجزاء والوعد والوعيد وتارة على حال الإنسان
فالأول كقوله { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد } والثاني كقوله { فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم } وقوله { حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة } { حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا } إذا جعل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر وإن قيل: بل الجواب محذوف كان كقوله: { ص والقرآن ذي الذكر } فإنه هنا حذف الجواب ومن قال: إن الجواب هو قوله { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } فقد أبعد النجعة
والقسم على الرسول كقوله { والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم } إذا قيل هو الجواب وإن قيل الجواب محذوف كان كما ذكر ومنه { ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون } ومنه { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى } إلى آخر القصة ومنه قوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } وقوله { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين }
وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد ففي مثل قوله { والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا * إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع } ثم ذكر تفصيل الجزاء وذكر الجنة والنار وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون ثم قال { فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } ومثل قوله { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا * إنما توعدون لواقع } ومثل { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع }
وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن } وقال تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } وقال تعالى { ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين }
وهذا لأن المعاد إنما يعلمه عامة الناس بأخبار الأنبياء وإن كان من الناس من قد يعلمه بالنظر وقد تنازع النظار في ذلك فقالت طائفة أنه لا يمكن علمه إلا بأسمع وهو الخبر وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال ويقولون لا ندري ما يفعل الله إلا بعادة أو خبر كما يقوله جهم بن صفوان ومن تبعه و الأشعري وأتباعه وكثير من أهل الكلام في الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة بخلاف العلم بالصانع فإن الناس متفقون على أنه لا يعلم إلا بالفعل وإن كان ذلك مما نبهت الرسول عليه وصفاته قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضوع آخر
وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله { والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى } الآية ولفظ السعي هو العمل لكن يراد به العمل الذي يهتم به صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فإن كان يفتقر إلى عدو بدنه عدا وإن كان يفتقر إلى جمع أعوانه جمع وإن كان يفتقر إلى تفريغ له وترك غيره فعل ذلك فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الإعتبار ليس هو مرادفا للفظ العمل كما ظنه طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم به صاحبه ويجتهد فيه لهذا قال في الجمعة { فاسعوا إلى ذكر الله } وهذه أحسن من قراءة من قرأ { فاسعوا إلى ذكر الله } وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ] فلم ينه عن السعي إلى الصلاة فإن الله أمر بالسعي إليها بل نهاهم أن يأتوا إليها يسعون فنهاهم عن الإتيان المتصف بسعي صاحبه والإتيان فعل البدن وسعيه عدو البدن وهو منهي عنه وأما السعي المأمور به في الآية فهو الذهاب إليها على وجه الإهتمام بها والتفرغ لها عن الأعمال الشاغلة من بيع وغيره والإقبال بالقلب على السعي إليها وكذلك قوله في قصة فرعون لما قال له موسى { هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى * فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى } فهذا اهتمام واجتهاد في حشر رعيته ومناداته فيهم وكذلك قوله: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } هو عمل بهمة واجتهاد ومنه سمى الساعى على الصدقة والساعي على الأرملة واليتيم ومنه قوله { إن سعيكم لشتى } وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتني به ليترتب عليه ثواب أو عقاب بخلاف المباحاة المعتادة فإنها لم تدخل في هذا السعي قال تعالى { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى } ومنه قوله تعالى { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن } وقوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا }