فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 151

ومن ذلك اقسامه ( بالعصر ) على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم

والعصر المقسم به قيل: هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل: هو آخر ساعة من ساعاته وقيل: المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرا أمر معروف في لغتهم قال:

( ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما )

ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها - آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته

فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد وأن قدرته كما لم تقصر على المبدأ لم تقصر عن المعاد وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينهم وأن لايجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الانسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحم الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الانسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين

وتأمل حكمة القرآن لما قال { إن الإنسان لفي خسر } فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقاله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ولما قال { ثم رددناه أسفل سافلين } وسع الاستثناء وعممه فقال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ولم يقل { وتواصوا } فإن التواصي هو امر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك قد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافين فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضا على الأعيان وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة

والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال { إن الإنسان لفي خسر } ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: لقد قرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تقريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك

ولما قال في سورة والتين { ثم رددناه أسفل سافلين } قال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح وإنقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الانسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحق وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الانساني من العلم النافع والعمل الصالح والاحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت