فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 151

ومن ذلك قوله سبحانه { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس } أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب

والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها

والجواري جمع جارية كغاشية و غواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا: الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس - على هذا القول - تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم أن خنوسها و كنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها وهذا قول الزجاج

ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيا: أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها

فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته

وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه ( أحدها ) أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة ( الثاني ) اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان ( الثالث ) أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات ( الرابع ) إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها ومعلوم أن هذا امر خفي يحتاج إلى تامل وأكثر الناس لا يعرفونه وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر ( الخامس ) أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوى فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم ( السادس ) أنه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس - بالتسكين - لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كخمراء وحمر فلما جاء جمعه على فعل - بالتشديد - استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر وتعين أن يكون جمعا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها ( السابع ) أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولاعادته وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفها وهو الليالي العشر وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون } وقوله { الذكر والأنثى } في قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحو ذلك ( الثامن ) أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان والليل والصبح في قسم واحد ؟ وبهذا احتج أبو إسحاق على أنهار النجوم فقال: هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش ( التاسع ) أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها ( العاشر ) أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين و رجوم للشياطين وبين المقسم عليه - وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين وزينة للقلوب وداحض لشبهات الشيطان - أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت