ثم أقسم سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الأخبار بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لايشك فيه ذو حاسة سليمة فقال: { فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء: إنه لحق كما ان الآدمي ناطق وقال الزجاج: هذا كما تقول في الكلام: إن هذا لحق كما انك ههنا
قلت: وفي الحديث [ إنه لحق كما أنك ههنا ] فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولايحتاج نطقه إلى استدلال على وجوده ولايخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم: هذا حق مثل الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله:
( وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل )
وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ماجعله معاينا مشاهدا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لاتستعد له ولاتأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لايعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لاينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار ولايتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور ولافي رحيلهم وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون ؟ وأين يستقرون ؟ قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفل وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل وكأن المقيم لايرحل وكأن أحدهم لايبعث ولايسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله: لفلان ابن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لمايدركون ويتركون ما هم به مطالبون ويعمرون ماهم عنه منتقلون ويخربون ماهم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولايأخذون في جمع زادها في سفرها { نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون } والعجب كل العجب من غفلة من تعد عليه لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا اليل والنهار تسرع به ولايتفكر إلى أن يحمل ولا إلى أي منزل ينقل ؟
( وكيف تنام العين وهي قريرة ولم تدر في أي المحلين تنزل ؟ )
وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولابد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم مايجوز أن يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانهم وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر فأضحت ربوع الايمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال: كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤوسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهم غاب عنه حينا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وماهم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه