فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 151

ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم { فاكهين بما آتاهم ربهم } والفاكهه: المعجب بالشيء المسرور المغبتط به وفعله فكه - بالكسر - يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكهه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشي إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها ومنه قوله { فظلتم تفكهون } قيل: معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلفه ضده يقال: تحنث إذا زال الحنث عنه وتحرج وتحوب وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء: كتعلم وتحلم وللخارج منه: كتحرج وتأثم

والمقصود أنه سبحان جمع لهم بين النعيمين: نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب: فكان جزاءهم مطابقا لأعمالهم

ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله ( هنيئا ) فإنهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم

ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال { متكئين على سرر مصفوفة } وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى { متكئين عليها متقابلين } فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون بعيدا منه قد حيل بينه وبينه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه

وذكر أزواجهم وأنهم الحور العين وقد تكرر وصفهم في القرآن بهاتين الصفتين قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج واحتج على هذا بأن العرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها قال تعالى { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } وفي الحديث [ زوجتكها بما معك من القرآن ] وقال غيره: العرب تقول تزوجت بامرأة وقال الأزهري: العرب تقول: زوجة امرأة وتزوجت امرأة وليس في كلامهم تزوجت بامرأة ومنه قوله تعالى { وزوجناهم بحور عين } أي قرناهم وعلى هذا فزوجناهم عند هؤلاء من الاقتران والشفع أي شفعناهم وقرناهم بهن وقالت طائفة منهم مجاهد: زوجناهم بهن أي أنحكناهم إياهن

قلت: وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح وتعديته بالباء المتضمنة معنى الاقتران والضم فالقولان واحد والله أعلم

وأما الحور العين فقال مجاهد: التي يحار فيها الطرف باديا مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس وقال مقاتل: الحور البيض الوجوه العين: الحسان الأعين وعين حوراء: شديدة السواد نقية البياض طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال { خيرات حسان } فالبياض في ألوانهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونهم وقد وصف الله سبحانه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات ودل بما وصف بما سكت عنه

فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنها وأخلاقها البياض في أربعة أشياء: اللون وبياض العين والفرق والثغر والسواد في أربعة سواد العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين والحمرة في أربعة اللسان والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض فتحسنه وتزينه ومن التدوير أربعة أشياء الوجه والرأس والكعب والمقعد ومن الطور أربعة: القامة والعنق والشعر والحاجب والسعة في أربعة: الجبهة والعين والوجه والصدر ومن الصغر في أربعة: الثدي والفم والكف والقدم ومن الطيب في أربعة: الفم والأنف والفرق والفرج ومن الضيق في موضع واحد ومن الأخلاق كما قال تعالى { عربا أترابا } إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه وقال أبو عبيدة: هي الحسنة التبعل قال المبرد: هي العاشقة لزوجها وقال البخاري في صحيحه: هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت