فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 151

ومن ذلك قوله تعالى: { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى } أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي

واختلف الناس في المراد بالنجم: فقال الكلبي عن ابن عباس: أقسم بالقرآن إذا نزل منجما على رسوله: أربع آيات وثلاثا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء وعلى هذا فسمي القرآن نجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجما والمفرق نجما ونجوم الكتاب أقساطها ويقول: جعلت مالي على فلان نجوما منجمة كل نجم كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر و مساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها فيقولون: إذا طلع النجم - يريدون الثريا - حل عليك الدين ومنه قوله زهير في دية جعلت نجوما على العاقل:

( ينجمها قوم لقوم غرامة ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم )

ثم جعل كل تنجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم

وقوله ( هوى ) على هذا القول أي: نزل من عل إلى سفل قال أبوزيد: هوت العقاب تهوي هويا - بفتح الهاء - إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله:

( والدلو في اصعادها عجل الهوى )

وقال الليث: العامة تقول الهوى - بالضم - في مصدر هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي: هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوى في السهر إذا مضى

وههنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بمافي الصحيح من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول في سجود ( سبحان ربي الأعلى ) فظن أبو محمد: أن الهوى صفة للرب وهذا من غلط رحمه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال: مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منه أي: طرف وجانب وكان يقول ( سبحان ربي الأعلى ) في قطعة من الليل وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت: كان يقول ( سبحان ربي الأعلى ) الهوى من الليل

عدنا إلى قوله { والنجم إذا هوى } وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية: يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا قال: فباتت تعد النجم وقال أبو حمزة اليماني: يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة وقال ابن عباس في رواية عكرمة: يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه

وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين لاسيما منكرو البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم

وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى فإن النجوم التي ترمى الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله بها ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد ففي ضمن هذا النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشاد فالهدى في علمه والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصل النبي صلى الله عليه و سلم خلفاءه فقال [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي ] فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله و أعمالهم قلبا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية ولله در القائل:

( وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم )

فالناس أربعة أقسام: ضال في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفو الرسل

( الثاني ) مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به

( الثالث ) مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه

وتأمل كيف قال سبحانه { ما ضل صاحبكم } ولم يقل ما ضل محمد تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم لا يعرفونه بكذب ولاغي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله { أم لم يعرفوا رسولهم } وبقوله { وما صاحبكم بمجنون }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت