ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه ذكر للعالمين وفي موضع آخر تذكرة للمتقين وفي موضع آخر لرسوله صلى الله عليه و سلم ولقومه وفي موضع آخر ذكر مطلق وفي موضع آخر ذكر مبارك وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر
ويجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسا واحدا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أ يذكروا ما في كتابه كما قال: { خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلانه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه { لمن شاء منكم أن يستقيم } بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولابد من هذا فتأمله
وقوله { لمن شاء منكم } رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببا فيه
وقوله { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين فإن قال الجبري: هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك و الإتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة ؟ سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة ؟ والاقتران العادي حاصل مع الجميع
وأما القدي فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر وقال: المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله { ولو شاء ربك ما فعلوه } وقوله { ولو شاء الله ما اقتتلوا } وقوله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } وقوله { أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر البتة
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العبادة من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن البتة كما أن ما شاء كان ولابد
ولكن ههنا أمرا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له
وقد دل على هذا قوله تعالى { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } وقوله { وما يذكرون إلا أن يشاء الله }
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها: فعبودية الآية الأولى والاجتهاد و استفراغ الوسع والاختيار و السعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجوء إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ( رب العالمين ) ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها وبالله التوفيق