فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 151

وأقسم على صفة الإنسان بقوله { والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا * إن الإنسان لربه لكنود } وأقسم على عاقبته وهو قسم على الجزاء في قوله { والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } وفي قوله { والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات }

وحذف جواب القسم لأنه قد علم بأنه يقسم على هذه الأمور وهي متلازمة فمتى ثبت أن الرسول حق ثبت القرآن والمعاد ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدقه وصدق الكتاب الذي جاء به

والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم به وأنه مما يحلف به كقوله النبي صلى الله عليه و سلم [ من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ] ولكن هذا يذكر معه الفعل دون مجرد حرف القسم كقولك: فلان يحلف بالله وحده وأنا أحلف بالحالق لا بالمخلوق ونحو ذلك والنصراني يحلف بالصليب والمسيح وفلان أكذب مايكون إذا حلف بالله

وقد يكون هذا النوح بحرف القسم مجردا كما في الحديث: كان أكثر يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا ومقلب القلوب ] وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينه قال: والله الذي لا إله إلاهو وتارة يحذف الجواب وهو مراد إما لكونه قد ظهر وعرف إما بدلاله الحال كمن قيل له كل فقال لا والله الذي لا إله إلا هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المقسم به مايدل على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فإن المقصود يحصل بذكر المقسم به فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال: والذي أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر الجواب استغناء عنه بما في القسم من الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال: والله الذي لا إله إلاهو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الأول الآخر الظاهر الباطن وكمن أراد أن يقسم على علوه فوق عرشه فقال: والذي استوى على عرشه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة والروح إليه ونحو ذلك

وكذلك من حلف لشخص أنه يحبه ويعظمه فقال: والذي ملأ قلبي من محبتك وإجلالك ومهابتك ونظائر ذلك - لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم به مايدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى { ص والقرآن ذي الذكر } فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد مايحتاجون إليه وللشرف والقدر مايدل على المقسم عليه وكونه حقا من عند الله غير مفترى كمايقوله الكافرون وهذا معنى قول كثير من المفسرين - متقدميهم ومتأخريهم: إن الجواب محذوف تقديره: إن القرآن لحق وهذا مطرد في كل ماشأنه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } فاعترض بين القسم وجوابه بقوله { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول: والله كم أنفقت مالا وبالله كم أعتقت عبدا وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال: الجواب في قوله { إن كل إلا كذب الرسل } وأبعد منه قول من قال: الجواب { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } وأبعد منه قول من قال: الجواب قوله { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } وأقرب ماقيل في الجواب لفظا وإن كان بعيدا معنى عن قتاده وغيره: إنه في قوله { بل الذين كفروا } كما قال { ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } وشرح صاحب النظم هذا القول فقال: معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار كإن الشديدة في تثبيت مابعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنه يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز و جل قال: { ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة وشقاق } كما تقول: والله إن زيدا لقائم قال: واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عزوجل لما بينا من احتمال ( أن يكون ) بل بمعنى أن 1هـ

وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون: إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال: أصل الكلام بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش: وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت: والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن وقال النحاس: هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدا عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنه لايجوز: والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر الأخفش وجها آخر في جواب القسم فقال: يجوز أن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم لاندري نحن ماهو كأنه يقول: الحق والله قال أبو الحسن الواحدي: وهذا الذي قال الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ( ص ) الصادق الله أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضا فقال ( ص ) جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله { والقرآن } وذكر النحاس وغيره وجها آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر فالأمر كمايقوله هؤلاء الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى { بل الذين كفروا } وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قوله قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر مابعده وظهر ماقبله ومابعده دليل على ماقبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } مخالفا لهذا المضمر فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل مافي هذا المعنى فهذهة ستة أوجه سوى مابدأنا به في جواب القسم والله أعلم

ونظير هذا قوله تعالى { ق والقرآن المجيد * بل عجبوا } قيل جواب القسم ( قد علمنا ) وقال الفراء: محذوف دل عليه قوله { أإذا متنا } أي لتبعثن وقيل قوله { بل عجبوا } كما تقدم بيانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت