فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 151

ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه

فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه ؟ وحمله الماء والثلج والبرد ؟ ومن حمله على ظهور الرياح ؟ ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ؟ ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته ؟ وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرا بين يدي رحمته جعلها سببا لتمام نعمته وسلطانا على من شاء بعقوبته ؟ ومن جعلها رخاء وذراية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفا وعاصفا ومهلكة وعاتية ؟ إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ؟

وسل الجاريات يسرا من السفن: من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر ؟ ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ؟ ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح ؟ فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ؟ ومن الذي أجرى لها ريحا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها فتتموج في البحر يمينا وشمالا تتلاعب بها الريح ؟ ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلا ومدبرا بريح واحدة تجري في موج كالجبال { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام * إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير } ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وألياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم ؟

وسل الجاريات يسرا من الكواكب والشمس والقمر: من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك والمتطرف في جوانبها وبين ذلك ؟ ومنها ما يقطع الفلك في شهر ومنها ما يقطعه في عام ومنها ما يقطعه في ثلايين عاما ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك ومنها ما لا يزال ظاهرا لا يغيب بحال فهو أبدي ومنها أبدي الخفاء ومنها ما له حالتان ظهور واختفاء ومنها ما له حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب آخر قد طلع وهو آخذه في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته

وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كما له دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقتصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت