فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 151

ومن ذلك قوله عز و جل { فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين } أقسم سبحانه برب المشارق والمغارب وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أومشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال { رب المشرقين ورب المغربين } فقيل: هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء: في سورة الرحمن { رب المشرقين ورب المغربين } لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن والبحرين والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين

وأما سورة ( سأل سائل ) فإنه أقسم سبحانه على عموم قدرته وكمالها وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب ( بها ) في مغرب

وأما في سورة ( المزمل ) فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يجب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله { وما رب العالمين } فقال { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } وفي ربوبيته سبحانه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته للسموات وما حوته من الشمس والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنهار وما تضمناه ثم قال { إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين } أي لقادرون على أن يذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منهم وخيرا منهم كما قال تعالى { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } وقوله { وما نحن بمسبوقين } أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقولة { وما نحن بمسبوقين } لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه ولهذا عدى بعلى دون إلى كما في قوله { وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم } فإنه لما ضمنه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بعلى بخلاف سبقه إليه فإنه فرق بين سبقته إله وسبقته عليه فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه والثاني بمعنى وصلت إليه قبله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت