فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 151

ثم قال تعالى: { في كتاب مكنون } اختلف المفسرون في هذا: فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله: { في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة } ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: { لا يمسه إلا المطهرون } فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال: إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر

والأول أرجح لوجوه:

( أحدها ) أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى { وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون } فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن لا يليق عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة وكذلك قوله في سورة عبس { في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة } فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به وتقرير هذا المعنى أهم وأجل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر

( الوجه الثاني ) أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية

( الثالث ) إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الأخبار يوضحه

( الوجه الرابع ) وهو قوله: { في كتاب مكنون } والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ك { كأنهن بيض مكنون } وهكذا قال السلف قال الكلبي: مكنون من الشياطين وقال مقاتل: مستور وقال مجاهد: لايصيبه تراب ولا غبار وقال أبو اسحق: مصون في السماء يوضحه

( الوجه الخامس ) أن وصفه بكونه مكنونا نظير وصفه بكونه محفوظا فقوله { لقرآن كريم * في كتاب مكنون } كقوله { بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ } يوضحه

( الوجه السادس ) أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث

( الوجه السابع ) قوله { لا يمسه إلا المطهرون } بالرفع فهذا خبر لفظا ومعنى ولو كان نهيا لكان مفتوحا ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي

( الوجه الثامن ) أنه قال: { إلا المطهرون } ولم يقل إلا المطهرون ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } وفي الحديث [ اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ] فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون

( الوجه التاسع ) أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاختبار عن كونه مكنونا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مصون لا يصل إليه شيطان بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة

( الوجه العاشر ) ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله { لا يمسه إلا المطهرون } قال المطهرون الملائكة وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع وقال الحاكم: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله: سمعت اسحق في قوله { لا يمسه إلا المطهرون } قال: النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة:

وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله [ لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ] رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه و سلم إلى أهل اليمن في السنن والقرائض والديات [ أن لا يمس القرآن إلا طاهر ] قال أحمد: أرجو أن يكون صحيحا وقال أيضا: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتبه وقال أبو عمر بن عبدالبر: هو كتاب مشهور عن اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال: وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطنه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت