فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 151

فإن قيل: فما سبب الأذكار والإناث ؟ قيل: ذلك نختاره أن سببه مشيئة الرب الفاعل باختياره وليس بسبب طبيعي وكل ما ذكر أصحاب الطبائع من الأسباب فمنتقض مثل حرارة الرجل ورطوبته قالوا: وفساد المزاج أيضا يوجب إيلاد الإناث واستقامته توجب الأذكار وهذا تخليط وهذيان فليس الأذكار والإناث إلا قول الله لملك الأرحام وقد استأذن يارب ذكر يا رب أنثى يا رب شقي ام سعيد فما الرزق فما الأجل ؟ والأذكار والإناث قرين السعادة والشقاوة والرزق والأجل

فإن قيل: فتلك أيضا بأسباب ؟ قلنا: نعم ولكن بأسباب بعد الولادة ولا سبب للأذكار والإناث قبل الولادة

فإن قيل: فما تصنعون بحديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن الولد فقال [ ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن الله ] قال اليهودي: صدقت وإنك لنبي قيل: هذا الحديث تفرد به مسلم في صحيحه وقد تكلم فيه بعضهم وقال: الظاهر أن الحديث وهم فيه بعض الرواة وإنما كان السؤال عن الشبه وهو الذي سأله عنه عبدالله بن سلام في الحديث المتفق على صحته فأجابه بسبق الماء فإن الشبه يكون للسابق فلعل بعض الرواة انقلب عليه شبه الولد بالمرأة بكونه أنثى وشبهه بالوالد بكونه ذكرا لاسيما والشبه التام إنما هو بذلك

وقالت طائفة: الحديث صحيح لا مطعن في سنده ولا منافاة بينه وبين حديث عبدالله بن سلام وليست الواقعة واحدة بل هما قضيتان ورواية كل منهما غير رواية الأخرى وفي حديث ثوبان قضية ضبطت وحفظت قال ثوبان: كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لي: لم تدفعني ؟ فقلت: ألا تقول يارسول الله ؟ قال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أينفعك شيء إن حدثتك ؟ ] قال: أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه و سلم بعود معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ هم في الظلمة دون الجسر ] قال: فمن أول الناس إجازة ؟ قال [ فقراء المهاجرين ] قال اليهودي: فما تحفتهم حتى يدخلوا الجنة ؟ قال [ زيادة كبد الحوت ] قال: فما غذاؤهم على أثرها ؟ قال [ ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها ] قال: فما شرابهم عليه ؟ قال [ من عين فيها تسمى سلسبيلا ] قال: صدقت قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد إلا نبي أو رجل أو رجلان قال [ أينفعك إن حدثتك ؟ ] قال أسمع بأذني قال: جئت أسألك عن الولد قال [ ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن الله ] قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لقد سألني هذا الذي سألني عنه و مالي علم به حتى أتاني به الله ] وأما حديث عبدالله بن سلام رضي الله عنه ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: بلغ عبدالله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلانبي: ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ خبرني آنفا جبريل ] فقال عبدالله: ذاك عدو اليهود من الملائكة فقال [ أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما فأول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كان الشبه لها ] قال: أشهد أنك رسول الله وذكر الحديث

فتضمن الحديثان أمرين ترتب عليهما الأثران معا وأيهما انفرد ترتب عليه أثره فإذا سبق ماء الرجل وعلا أذكره وكان الشبه له وإن سبة ماء الرجل وعلا آنث وكان الشبه لها وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل أذكر وكان الشبه لها ومع هذا كله فهذا جزء سبب ليس بموجب والسبب الموجب مشيئة الله فقد يسبب بضد السبب وقد يرتب عليه ضد مقتضاه ولا يكون في ذلك مخالفة لحكمته كما لا يكون تعجيزا لقدرته وقد أشار في الحديث إلى هذا بقوله: [ أذكر وآنث بإذن الله ] وقد قال تعالى { لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير } فأخبر سبحانه أن ذلك عائد إلى مشيئته وانه قد يهب الذكور فقط والإناث فقط وقد يجمع للوالدين بين النوعين معا وقد يخليهما عنهما معا وأن ذلك كما هو راجع إلى مشيئته فهو متعلق بعلمه وقدرته وقد وهب الله آدم الذكور والإناث وإسرائيل الذكور دون الإناث ومحمدا صلى الله عليه و سلم الإناث دون الذكور سوى ولده إبراهيم وقال سليمان عليه السلام [ لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل امرأة منهن بغلام يقاتل في سبيل الله فطاف عليهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد ] قال النبي صلى الله عليه و سلم [ والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون ] فدل على أن مجرد الوطء ليس بسبب تام وإن كان له مدخل في السببية وأن السبب التام مشيئة الله وحده فهو رب الأسباب المتصرف فيها كيف شاء بإعطائها السببية إذا شاء ومنعها إياها إذا شاء وترتيب ضد مقتضاها عليها إذا شاء والأسباب هي مجاري الشرع والقدر فعليها يجري أمر الله الكوني والديني

فإن قيل: فقد ظهر أن الولد مخلوق من الماءين جميعا فهل يخلق منهما على حد سواء أم يكون الولد من ماء الأب وبعضه من ماء الأم ؟ قيل: قد بين النبي صلى الله عليه و سلم هذه المسألة بأوضح البيان فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا حسين ابن الحسين حدثنا أبو كريب عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن عبدالله بن مسعود قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يحدث أصحابه فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم انه نبي فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال: يا محمد مم يخلق الإنسان ؟ فقال [ من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم ] فقام اليهودي فقال: هكذا يقول من قبلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت