فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 151

ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى: فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى وقد صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه جبريل عليه الصلاة و السلام رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنه سئل عن قوله تعالى { فكان قاب قوسين أو أدنى } قال: أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى جبريل له ستمائة جناح وفي الصحيحين أيضا عن عبدالله بن مسعود { ما كذب الفؤاد ما رأى } قال: [ رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح ] وقال البخاري عنه: [ رأى رفرفا أخضر يسد الأفق ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة [ ولقد رآه نزلة أخرى ] قال: رأى جبريل عليه السلام وفي صحيحه أيضا عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت: ما هن ؟ قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز و جل { ولقد رآه بالأفق المبين } { ولقد رآه نزلة أخرى } ؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: [ إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ] فقالت: أولم تسمع أن الله عز و جل يقول { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } أو لم تسمع أن الله عز و جل يقول { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم } قالت: ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز و جل يقول { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } قال: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز و جل يقول { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } ولو كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } وفي الصحيحين عن مسروق أيضا قال: سألت عائشة رضي الله عنها هل رأى محمد ربه ؟ فقالت: سبحان الله ! لقد وقف شعري مما قلت وفيهما أيضا قال قلت لعائشة: فأين قوله عز و جل { ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى } قالت: إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله صلى الله عليه و سلم: هل رأيت ربك فقال [ نور أنى أراه ] وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بخمس كلمات فقال: [ إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ] وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة [ فيكشف الحجاب فينظرون إليه ] فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد به الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز و جل { لا تدركه الأبصار } قال: ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله ( لا تدركه الأبصار ) على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لايرى بل يرى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لأدراك الشمس على ماهي عليه وإن رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع [ جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ] فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم وبينه فهو الحجاب المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال

والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل

وأما قول ابن عباس: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدرامي الإجماع على ما قالته عائشة فقال - في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: [ رأيت ربي البارحة في أحسن صورة ] فحكى تأويل المريسي الباطل - ثم قال: ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في حديث أبي ذر [ إن لم ير به ] وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لن تروا ربكم حتى تموتوا ] وقالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدا رأى به فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قوال الله { لا تدركه الأبصار } يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة ] فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الإمام أحمد: هل رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات:

( إحداها ) أنه رآه قال الروزي: قلت لأبي عبدالله يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة ؟ فقال: بقول النبي صلى الله عليه و سلم رأيت ربي وقول النبي صلى الله عليه و سلم أكبر من قولها قال: وذكر المروزي في موضع آخر أنه قال لأبي عبدالله ههنا رجل يقول: إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى به في الدنيا فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء قال: فظاهر هذا أنه أثبت رؤية عين ونقل حنبل قال قلت لأبي عبدالله: النبي صلى الله عليه و سلم رأى ربه رؤيا حلم بقلبه ؟ قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبدالرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه و سلم [ رأيت ربي في أحسن صورة ] فقال معمر مضطرب لأن معمرا رواه عن أيوب عن معبد عن عبدالرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه و سلم ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس ورواه عبدالرحمن بن يزيد عن جابر عن خالد بن الجلاج عن عبدالرحمن بن عابس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وأصل الحديث واحد قال الأثرم: فقلت لأبي عبدالله: فإلى أي شيء تذهب ؟ فقال قال الأعمش بن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلا قال لأحمد عن الحسين الأشيب أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه و سلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رآه ولا تقول بعينه ولا بقلبه ؟ كما جاء الحديث فاستسحن ذلك الأشيب فقال أبو عبدالله حسن قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينه أم بقلبه ؟ فهذه نصوص أحمد وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أن الطفيل وحديث عبدالرحمن ابن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضي أحمد أن يحتج به وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا [ لما كانت ليلة أسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ ] وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي صلى الله عليه و سلم نص أنه رآه بعينه يقظة وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه وإنما قال رآه واتبع في ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث رأيت ربي وهو مطلق وجاء بيانه في الحديث الآخر

ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه و سلم إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من زعم أن محمدا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية وهذا يدل على أحد أمرين إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منه للرؤية وأطلق أنه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجىء ذلك في حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره من قال لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت