ثم أكد ذلك وقرره وأوطده بقوله: { تنزيل من رب العالمين } وكما أنه لازم لكونه قرآنا كريما في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له
وأفاد كونه تنزيلا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل مطالب الدين:
( أحدهما ) أنه المتكلم وأنه منه نزل ومنه بدأ وهو الذي تكلم به ومن هنا قال السلف: منه بدأ ونظيره { ولكن حق القول مني } وقوله: { قل نزله روح القدس من ربك }
( والثاني ) علو الله سبحانه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر - هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعرفه فطرهم وتشهد به عقولهم وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمه عليهم وإحسانه وإنعامه عليهم وأن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم هملا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولاينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به وهذا الإستدلال اقوى وأشرف من الإستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء
وقد أشار سبحانه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } فهذا استدلال بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال: { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء به وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم واشمل وقد تقدم بيانها عنده قوله تعالى: { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } وأين الإستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الإستدلال عليه ببعض مخلوقاته ؟
وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة الله عنها بصفات الرب تعالى وصفات محمد صلى الله عليه و سلم واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنه رسول الله حقا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه
وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الإستدلال وجدت بينها وبين طريقة المتكلمين من الفرق مالا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات إنتفع به في باب معرفة الحق والباطل من الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد - أعظم انتفاع وأتمه وقد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنه يستحيل على الحكيم أن يحرم الشيء ويتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمه وأسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وبه التوفيق