فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 151

والمقسم عليه ههنا قوله { إنه لقرآن كريم } ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى { لو تعلمون عظيم } فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدا أو تنبيها أو احترازا كقوله تعالى { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } فاعترض بين المبدأ والخبر بقوله: { لا نكلف نفسا إلا وسعها } لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم: أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } وهذا أحسن من قول من قال: أنه خبر عن الذين آمنوا ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منهم وتعطيل هذه الفائدة الجليلة

ومن ألفط الاعتراض وأحسنه قوله تعالى { ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون } فاعترض بقوله سبحانه بين الجعلين وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قصد المتكلم وسياق الكلام من قصد الاعتناء والتقرير والتوكيد وتعظيم المقسم به والمخبر عنه ورفع توهم خلاف المراد والجواب عن سؤال مقدر وغير ذلك:

فمن الاعتراض الذي يقصد به التقرير والتوكيد قول الشاعر:

( لو أن الباخلين - وأنت منهم - ... رأوك تعلموا منك المطالا )

ومما يقصد به الجواب عن سؤال مقدر قول الآخر:

( فلا هجره يبدو - وفي اليأس راحة - ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه )

فقوله: وفي اليأس راحة جواب لتقدير سؤال سائل وما يغني عنك هجره ؟ فقال: وفي اليأس راحة أي المطلوب أحد أمرين: إما يأس مريح أو وصال صاف

ومن اعتراض الاحتراز قول الجعدي:

( ألا زعمت بنو جعد بأني ... - وقد كذبوا - كبير السن فاين )

ومنه قول نصيب:

( فكدت - ولم اخلق من الطير - إن بدا ... سنا بارق نحو الحجاز أطير )

فقوله: ولما أخلق من الطير لرفع استفهام يتوجه عليه على سبيل الإنكار لو قال فكدت أطير فيقال له: وهل خلقت من الطير فاحترز بهذا الاعتراض وعندي أن هذا الاعتراض يفيد غير هذا وهو قوة شوقه ونزوعه إلى أرض الحجاز فأخبر انه كاد يطير على أنه أبعد شيء من الطيران فإنه لم يخلق من الطير ولا عجب طيران من خلق من الطير وإنما العجب طيران من لم يخلق من الطير لشدة نزوعه وشوقه إلى جهة محبوبة فتأمله

ومن مواقع الاعتراض بالدعاء كقول الشاعر:

( قد كنت أبكي وأنت راضية حذار هذا الصدود والغضب )

( إن تم ذا الهجر يا ظلوم - ولا ... تم - فما لي في العيش من أرب )

وقول الآخر:

( إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها )

وقول الآخر:

( إن الثمانين - وبلغتها - ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان )

ومنه الاعتراض بالقسم كقوله:

( ذاك الذي - وأبيك - يعرف مالكا ... والحق يدفع ترهات الباطل )

ومن اعتراض الاستعطاف قوله:

( فمن لي بعين التي كنت مرة ... إلي بها - نفس فداؤك - تنظر )

فاعترض بقوله: نفس فداؤك استعطافا

فتأمل حسن الاعتراض وجزالته في قول الرب تعالى { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } فقوله { والله أعلم بما ينزل } اعتراض بين الشرط وجوابه أفاد امورا: منها الجواب عن سؤال سائل: ما حكمة هذا التبديل وما فائدته ومنها أن الذي بدل وأتى بغيره منزل محكم نزوله قبل الإخبار ومنها أن مصدر الأمرين عن علمه تبارك وتعالى وأن كلا منهما منزل فيجب التسليم والإيمان بالأول والثاني

ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحسن قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك } فاعترض بذكر شأن حمله ووضعه بين الوصية والموصى به توكيدا لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنها وتذكيرا لولدها بحقها وما قاسته من حمله ووضعه مما لم يتكلفه الأب ومنه قوله تعالى { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها } فاعترض بقوله: { والله مخرج ما كنتم تكتمون } بين الجمل المعطوف بعضها على بعض إعلاما بأن تدارؤهم وتدافعهم في شأن القتيل ليس نافعا لهم في كتمانه فالله يظهره ولابد ولا تستطل هذا الفصل وأمثاله فإن يعطيك ميزانا وينهج لك طريقا يعينك على فهم الكتاب والله المستعان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت