فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 151

فإن قيل: قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما اخبر به الوحي من ذلك فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ يدخل الملك في النطفة بعدما تستقر في الرحم أربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: أي رب أشقي أم سعيد ؟ فيكتبان: فيقول: أي رب: ذكر أو أنثى ؟ فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولاينقص ] قيل نتلقاه بالقبول والتصديق وترك التحريف ولاينافي ما ذكرناه إذ غاية مافيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق صلى الله عليه و سلم وهذا تقدير بعد تقدير فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عقد تمام خلقه وتصويره وهذا أحسن من جواب من قال: أن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربين الثالثة وهذا بعيد جدا من لفظ الحديث ولفظه يأباه كل الأباء فتأمله

فإن قيل: فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه سمع عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: [ الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره ] فأتى رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقال له حذيفة ابن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود وقال له: وكيف يشقى رجل بغير عمل ؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك بالصحيفة في يده فلايزيد على أمره ولاينقص ]

وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم بأذنى هاتين يقول [ إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها فيقول: يا رب أذكر أو أنثى ؟ أسوي أم غير سوي ؟ فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول: يا رب ما رزقه ؟ وما أجله ؟ وما خلقه ؟ ثم يجعله الله عز و جل شقيا أو سعيدا ] وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا [ أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة ] ثم ذكر نحوه

قيل: نتلقاه أيضا بالتصديق والقبول وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين

فإن قيل: فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في [ أن النطفة أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ] ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء فإن قول النبي صلى الله عليه و سلم معصوم وقولهم عرضة للخطأ ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم ؟ قيل: لا تنافى بين الحديثين بحمد الله وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة قالوا: وأكثر مافيه التعقيب بالفاء وتعقيب كل شيء بحسبه وقد قال تعالى { خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما } وهذا تعقيب بحسب ما يصلح له المحل ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال

وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية ولكن هنا تصويران: أحدهما تصوير خفي لا يظهر وهوتصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يضع صورة في مادة لاسيما مثل هذه الصورة ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئا بعد شيء لاوهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة

فههنا أربع مراتب: أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج الثانية مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم بعد الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعد إلا نفخ الروح

فالمرتبة الأولى علمية والثلاث الأخر خارجية عينية وهذا التصوير بعد التصوير نظير التقدير بعد التقدير فالرب تعالى قد مقادير الخلائق تقديرا عاما قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وهنا كتب السعادة والشقاوة والأعمال والأرزاق والآجال ( الثاني ) تقدير بعد هذا وهو أخص منه وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه وقال [ هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ] وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال [ هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ] ( الثالث ) تقدير بعد هذا وهو أخص منه عندما يمنى به كما في حديث حذيفة بن أسيد المذكور ( الرابع ) تقدير آخر بعد هذا وهو عندما يتم خلقه وينفخ فيه الروح كما صرح به الحديث الذي قبله وهذا يدل على سعة علم الرب تبارك وتعالى وإحاطته بالكليات والجزئيات وكذلك التصوير الثاني مطابق للتصوير العلمي والثالث مطابق للثاني والرابع مطابق للثالث وهذا ممايدل على كمال قدرة الرب تعالى ومطابقة المقدور للمعلوم فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين

ونظير هذا التقدير الكتابة العامة قبل المخلوقات ثم كتابة ما يكون من العام إلى العام في ليلة القدر وكل مرتبة من هذه المراتب تفصيل لما قبلها وتنوع وكلام رسول الله صلى الله عليه و سلم يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا ويطابق الواقع في الوجود ولا يخالفه وإنما يخبر بما لا يستقل الحس والعقل بإدراكه لا بما يخالف الحس والعقل وإنما يعرفه الناس ويستقلون بإدراكه على أمر عيني يتعلق به الإيمان أو على حكم شرعي يتعلق به التكليف والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت