والمقسم عليه ههنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر
واختلف القراء في لما فشددنا بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين ( أحدهما ) بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم } ( والثاني ) في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي: من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة
ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل - في قولهم: نشدتك بالله لما فعلت - قال المعنى: إلا فعلت
ثم نبه سبحانه الانسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال { فلينظر الإنسان مم خلق } أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته
ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالكسور والمضروب والمندفق المطاوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كماتقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم وعيشة راضية وقيل: هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل - وهو الصواب - إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال: ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوابها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون: الوقت الحاضر والساعة الراهنة - وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ؟
ونبه سبحانه بكونه دافقا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس: صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعا وقيل: صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم
ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله { إنه على رجعه لقادر } أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان ( أحدهما ) قول مجاهد: على رد الماء في الاحليل لقادر ( والثاني ) قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة
والقول الصواب هو الأول لوجوه ( أحدهما ) أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد ( الثاني ) أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الاحليل ( الثالث ) أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه ( الرابع ) أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله { يوم تبلى السرائر } وهو يوم القيامة أي ان الله قادر على رجعه إليه حيا في ذلك اليوم ( الخامس ) أن الضمير في ( رجعه ) هو الضمير في قوله { فما له من قوة ولا ناصر } وهذا للانسان قطعا لا للماء ( السادس ) أنه لاذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل: على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه ( السابع ) أن رد الماء إلى الاحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على امر واقع ولابد إما قد وقع ووجد أو سيقع
فإن قيل: فقد قال تعالى { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه } أي نجعله كخف البعير قيل: هذه أيضا فيها قولان ( أحدهما ) ( والثاني ) - وهو الأرجح - أن تسوية بنانه إعادتها كماكانت بعد مافرقها البلى في التراب
( الثامن ) أنه سبحانه دعا الانسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده نظره عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء ( التاسع ) أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الاحليل بعد خروجه ولاتلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر
( العاشر ) أنه سبحانه نبه بقوله { إن كل نفس لما عليها حافظ } على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله: { إنه على رجعه لقادر } على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله { يوم تبلى السرائر } أي تختبر وقال مقاتل: تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنه وما خفى منه والسرائر جمع سريرة وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله فالايمان من السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها وما كان لله مما لم يكن له قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا فيها والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم
وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان علمه تابعا لسريرته لا اعتبار بصورته فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشيئا وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر:
( فان لها في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلى السرائر )
ثم أخبر سبحانه عن حال الانسان في يوم القيامة أنه غير ممتنع من عذاب الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أوقوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله سبحانه { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون }
ثم أقسم سبحانه بـ { والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع } فأقسم بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء: تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام وقال أبو إسحق: الرجع المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل السماء يجيء ولما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسر الرجع به وحسن تفسيره به ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات لأنه يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته
وأقسم على كون القرآن حقا وصدقا فقال { إنه لقول فصل * وما هو بالهزل } كما أقسم في أول السورة على حال الانسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال: أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونه حقا ليس بالباطل وجدا ليس بالهزل ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له - وهو الباطل واللعب - قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى { وأملي لهم إن كيدي متين } فالانسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لاقبح فيه فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة
ثم قال { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } أي أنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم والرب تعالى هو الذي يمهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلا ورويدا في كلامهم يكون اسم فعل فينصب بها الاسم نحو رويدا زيدا أي خله وأمهله وارفق به: الثاني أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث أن يكون نعتا منصوبا نحو قولك: ساروا رويدا تقول العرب: ضعه رويدا أي وضعا رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي صلى الله عليه و سلم بالليل من عندها إلى البقيع [ فخرج رويدا وأجاف الباب رويدا ] ويجوز في هذا الوجه وجهان: أحدهما أن يكون حالا والثاني أن يكون نعتا لمصدر محذوف فإن اظهرت المنعوت تعين الوجه الثاني ورويدا في هذه الآية هو من هذا النوع الثالث والله أعلم