فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 151

فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي فلا يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم الناقع والثاني ضد العمل الصالح فلا تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء به الرسول لا بد له من هذين الأمرين

ثم ذكر سبحانه حالهم عند خروجهم من القبور فقال { يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون } أي يسرعون والنصب العلم والغاية التي تنصب فيؤمونها وهذا من ألطف التشبيه وأبينه وأحسنه فإن الناس يقومون من قبورهم مهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنه يمنة ولا يسرة كما قال { يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له } أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنه قال الفراء: وهذا كما تقول: دعوتك دعوة لا عوج لك عنها وقال الزجاج: المعنى لا عوج لهم من دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده

فإن قلت: إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال ( لا عوج له ) قيل: قالت طائفة: اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه وقالت طائفة: المعنى لا عوج لهم عن دعائي كما قال الزجاج وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوة تسمع الجميع لا تعوج عنهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام منتظما للمعنيين ودالا عليهما والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له

ثم قال تعالى { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة } فوصفهم بذل الظاهر وهو خشوع الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنه أبصارهم وقريب من هذا قوله { ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة } ونظيره قوله { وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } وضد هذا قوله تعالى { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى } فنفى عنه الجوع الذي هو ذلك الباطن والعري الذي هو ذلك الظاهر وضده أيضا قوله: { ولقاهم نضرة وسرورا } فالنضرة عز الظاهر وجماله والسرور عز الباطن وجماله ومثله أيضا قوله { عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا } فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير } فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد } فرين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثله قوله أيضا { وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات } وقريب منه قوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ومنه قوله { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون } فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن ولأولئك بين تسويد الظاهر والباطن ومنه قول امرأة العزيز { فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فوصفت ظاهره بالجمال وباطنه بالعفة فوصفته بجمال الظاهر والباطن فكأنها قالت: هذا ظاهره وباطنه أحسن من ظاهره وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا والله أعلم بالصواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت