فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 151

وأما دلالة ( المقسمات أمرا ) وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي ومالا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطاقة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم

ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال: { إنما توعدون لصادق } أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ( وإن الدين لواقع ) أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة والعائد محذوف والمعنى أن الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق

ووصف الوعد بكونه صادقا أبلغ من وصفه بكونه صدقا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق وهذا مثل قولهم: سر كاتم وليل قائم ونهار صائم وماء دافق ومنه { عيشة راضية } وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب

وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالا عليه مرشدا إليه

ثم أقسم سبحانه ( بالسماد ذات الحبك ) أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال: حبك الثوب إذا أجاج نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي: مدمجه وقال شمر: المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة: إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك: الطريق واحدها حباك وحباك الحمام: طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء: الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال: يريد الخلق الحسن

وروى سعيد بن جبير عنه قال: الحبك حسنها واستواؤها وقال قتادة: ذات الخلق الشديد وقال مجاهد: متقنة البنيان وقال أيضا: ذات الطرائق ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل وكحبك الشعر وقال عكرمة: بنيانها كالبرد المسلسل

قلت وفي الحديث في صفة الدجال [ ورأسه حبط ] أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير الجامع من حديث الحسن [ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: هل تدرون ما فوقكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ] وذكر الحديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت