فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 151

ومن ذلك الأنف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائما معتدلا في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها وأيضا فإنه يستنشق بالمنخرين الهواء البارد الرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح به فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن ذلك فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك التجويف مستطيلا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ فلولا ذلك لصدمه بحدته وقوته

والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين: شطرا يصعد إلى الدماغ وشطرا ينزل إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه جعل لاستنشاق الهواء فإنه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر فيه في تلك القصبة فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها العيون وجعل فيها تجويفا فإنه قد ينسد أحدهما أو يعرض له آفة تمنعه من الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبا عنه يعمل عمله كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في العينين

ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولا من المنخرين وينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجا فيخرج منهما ويعود عوضه هواء بارد نافع والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال وهو له في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد وقفت على القليل منها فما ظنك بما وراء النفس من الأعضاء والقوى ومنافعها وتمام النعمة بها ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت