وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاذ والجزاء فقال { إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع } ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه لا دافع له وهذا يتناول أمرين: أحدهما أنه لا دافع لوقوعه والثاني أنه لا دافع له إذا وقع
ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال { يوم تمور السماء مورا * وتسير الجبال سيرا } والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال { وتسير الجبال سيرا } وقال { وإذا الجبال سيرت } من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب تجيء قال الجوهري: مار الشيء يمور مورا ترهيأ أي: تحرك جاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله { يوم تمور السماء مورا } قال الضحاك: تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفض: تكفأ وأنشد للأعشى:
( كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل )
ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأعمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال { أفسحر هذا ؟ } الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل: أن سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق ؟ أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ؟ ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا دهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ: ( اصبروا أو لا تصبروا ) كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الحزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابا فلم يجدوا من اقترانهم به بدا بل صارت عذابا لازما لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالا كليا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قاوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ولا يظلم ربك أحدا