ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال { فلولا إذا بلغت الحلقوم } أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الأنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا تردونها إلى مكانها إلى البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب
فإن قيل: أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما ؟
قيل: هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك: فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندا ولا شريكا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزله عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المنصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان إنتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما احسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدا وذكر الشرطين بين لولا الأولى والثانية وما تقتضيه من الفعل ثم الموالاة بين الشرط الأول والثاني مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط والأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه
فتضمنت الآيتان تقريرا وتوبيخا واستدلالا على أصول الإيمان: من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته و تصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين - منتظمة أحسن الإنتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقا بعضها ببعض وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه قال الفراء: وأجيبت { فلولا إذا بلغت } و { فلولا إن كنتم غير مدينين } بجواب واحد وهو { ترجعونها إن كنتم صادقين } قال: ومثله قوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني: قوله { ترجعونها } جواب قوله { فلولا } المتقدمة والمتأخرة علىتأويل: فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون ؟ يقول تعالى: إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم ؟ فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو ؟ وقال أبو اسحق: معناه فلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين ؟ فهلا إن كان الأمر كما تزعمون كما يقول قائلكم { لو أطاعونا ما قتلوا } و { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم ؟ وهلا تردون عن أنفسكم الموت
قلت: وكان هذا يلتفت إلى قوله تعالى: { قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم } أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقا جديدا فكونوا خلقا لا يغنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربا متصرفا فيكم ومالكا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقا جديدا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقا يموت ويحيا أن يحييكم بعدما أماتكم ؟ فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد