فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 151

ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار فيمطر الله سبحانه الماء على الأرض البعيدة ويسوق الماء إليها على وجه الأرض

فلو سألتها من نوعها هذا التنوع ؟ ومن فرق أجزاءها هذا التفريق ؟ ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به ؟ ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى ؟ ومن أمسكها عن الزوال ؟ ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها وأنشأ منها حيوانها ونباتها ؟ ومن وضع فيها معادتها وجواهرها ومنافعها ؟ ومن هيأها مسكنا ومستقرا للأنام ؟ ومن يبدأ الخلق منها ثم يعيده إليها ثم يخرجه منها ؟ ومن جعلها ذلولا غير مستصعبة ولا ممتنعة ؟ ومن وطأ مناكبها وذلك مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ؟ ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات ؟ ومن بسطها ؟ وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها ؟ ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتنزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ؟ ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات بل أنشأ منها آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه و سلم وعليهم أجمعين وأنشأ منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين ؟ ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان ؟ ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا القدر من المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة - كما نشاهده في الصيف - فاحترقت أبدان الحيوان والنبات وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم ؟ ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون ؟ ومن الذي جعل باطنها بيوتا للأموات وظاهرها بيوتا للأحياء ؟ ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الجبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج

فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين: ساق من فوقها وهو الشجرة وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأمر

فيالها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا به عنه بإخراج من في القبور ليوم البعث والنشور

فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفعال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمها فقيرة إلى موجد غني عنها مؤثر غير متأثر قديم غير حديث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشهد بعلمه وحكمته وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته

فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الإنبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منها حصل بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت قوته وصلابته فحرارة الربيع للإخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم واحدة والأب واحد واللقاح واحد والأولاد في غاية التباين والتنوع كما قال تعالى { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }

فهذا بعض آيات الأرض ومن الآيات التي فيها وقائعه سبحانه التي أوقعها بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال تعالى { وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم } وقال في قوم لوط { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون } وقال { فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم } أي بطريق ثابت لا يزول عن حاله وقال { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين } أي ديار هاتي الأمتين لبطريق واضح يمر به السالكون وقال تعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم } وقال عن قوم عاد { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } وقال { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا عدة له ولا عدد ولا مال فيدعو الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان به وطاعته ويحذرهم من بأسه ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ويهلك آخرين بالريح وآخرين بالصيحة وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددا وقوة ومنعة وأموالا

( فيالك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا )

( ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا )

فهلا امتنعوا - إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددا وأقوى شوكة - بقوتهم وعددهم من بأسه وسلطانه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منهم من أتباع الرسل ؟

ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق به رسله فيما أخبرت به فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله سبحانه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } وهذه الإرادة لا تختص بقرن دون قرن بل لابد أن يري الله سبحانه أهل كل قرن من الآيات ما يبين لهم أن الله الذي لا إله إلا هو وأن رسله صادقون وآيات الأرض أعظم مما ذكر وأكثر فنبه باليسير منها على الكثير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت