فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 192

سؤال (37) : ولكن هناك بعض المرجئة الذين يُخرجون حتى عمل القلب من مسمى الإيمان: فما هي حقيقة مذهبهم وما هي شبهتهم الرئيسية في ذلك؟

جواب: ذهبت فرقة يسيرة من المرجئة -وهم الجهمية والصالحية ومن اتبعهم- إلى إخراج عمل القلب عن الإيمان حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه؛ وإن لم يقر بلسانه؛ فشذوا بذلك عن إجماع الأمة؛ واشتد إنكار السلف والأئمة عليهم؛ وأطلقوا كفر من قال ذلك [1] .

ولقد لزمت هذه الفرقة من غلاة المرجئة لوازم غاية في الشذوذ والغرابة؛ حيث إن الإيمان عندهم هو العلم أو التصديق فقط؛ والكفر عندهم هو الجهل أو التكذيب فقط؛"ولذلك فعندهم قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه؛ وهو مع هذا ممتنع عن التكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك؛ ولا يطيع الله طاعة ظاهرة؛ بل يرتكب الكبائر كلها، ويتكلم بالكفر والتثليث، ويسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويقتل النفس بغير الحق، ويقتل كل من رآه يصلي، ويسفك دم كل من يراه يحج البيت، ويفعل ما فعله القرامطة بالمسلمين، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف ويلقيها في الحش عمدًا؛ ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، ويأتي الكنائس والبيع، ويصلي ويسجد للصليب والأوثان طوعًا .. كل هذا عندهم قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب -وهو عندهم مجرد التصديق فقط -ويكون صاحب ذلك عندهم مؤمنًا عند الله حقيقة -وإن حكم البعض عليه بالكفر ظاهرًا- ويكون وليًا لله إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين؛ مؤمنًا بالله تام الإيمان سعيدًا في الدار الآخرة"! [2] .

وأما شبهة المرجئة الرئيسية في ذلك وعمدتهم في إخراج العمل عن مسمى الإيمان، فهي اعتقادهم أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق؛ فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة؛ أي التصديق؛ والتصديق يوجد بالقلب [3] .

ولقد أجابهم أئمة السنة بأجوبة [4] ؛ فنازعوهم في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق، بل هو بمعنى الإقرار وغيره. وكذلك فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) "متفق عليه".

وأيضًا فالإيمان ليس هو مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها؛ فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص وصفه وبيّنه لنا وزاد فيه أحكامًا؛ وإن كان هو التصديق فالتصديق التام مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح؛ وانتفاء اللوازم دليل على انتفاء الملزوم؛ وهذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ أحيانًا .. إلى آخر هذه الأجوبة.

(1) الإيمان لابن تيمية ص178، والإيمان الأوسط ص850.

(2) الإيمان لابن تيمية ص178 وص384، والإيمان الأوسط ص92 وص124.

(3) الإيمان لابن تيمية ص112.

(4) المرجع السابق. وراجع إجابة السؤال الأول وإجابة السؤال الثاني من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت