جواب: أما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله؛ فالناس فيه على ثلاثة أقوال:
"منهم"من يوجبه -وهم كثير من الخلف والمتأخرين- باعتبار أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا أو كافرًا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أن يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. وكذلك فإن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها؛ فإذا قال الرجل: أنا مؤمن -بهذا الاعتبار- فإن هذا من تزكية الإنسان لنفسه بأنه من الأبرار المتقين وشهادته لنفسه بما لا يعلم.
"ومنهم"من يحرمه -وهم المرجئة والجهمية- ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئًا واحدًا يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه؛ فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين.
قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه؛ وسموهم الشكاكة.
"ومنهم"من يجوز الأمرين؛ وهذا أصح الأقوال وأوسطها وأعدلها؛ وهو مذهب السلف والأئمة؛ وهو جواز الاستثناء في الإيمان باعتبار، وجواز تركه باعتبار آخر. أما ترك الاستثناء والقطع بالإيمان فيصح إذا عنى بذلك أصل الإيمان دون كماله، والدخول فيه دون تمامه؛ كما يقول أنا حاج وصائم لمن شرع في ذلك؛ وكما يطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله [1] .
وأما الاستثناء في الإيمان فيجوز عند السلف والأئمة، لا شكًا فيما يجب عليهم الإيمان به -فإن الشك في ذلك كفر- لكن خوفًا أن لا يكونوا قد قاموا بحقائقه، ورجاء أن يأتوا بواجباته وكمالاته. فهم لا يشهدون لأنفسهم بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه، وهو تزكية لأنفسهم بلا علم. وكذلك فإن من الحكمة والتأدب مع الرب عز وجل تعليق الأمور كلها -حتى المتيقن منها- حاضرًا ومستقبلًا بمشيئة الله تعالى.
قال الله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) [الفتح: 27] .
فقد أخبر عما أراد الله كونه، وهو عالم بأنه سيكون، وقد علقه بقوله [إن شاء الله] . وأيضًا فالمؤمن يرجو إذا عمل عملًا أن يكون الله تقبله يكون الله تقبله منه، ويخاف أن لا يكون تقبله منه. فقول القائل: إن شاء الله، يكون مع كمال إرادته في حصول المطلوب، وهو يقولها لتحقيق المطلوب لاستعانته بالله في ذلك، لا لشك في الإرادة [2] .
(1) الإيمان لابن تيمية ص410.
(2) الإيمان لابن تيمية ص410.