جواب: الإقرار باللسان هو العنصر الثاني من عناصر الإيمان؛ فهو عند السلف والأئمة عنصر أصلي من عناصر الإيمان؛ إذ لا يتصور عندهم تحقق الإيمان القلبي المعتبر شرعًا -بركنيه من قول القلب وعمل القلب- دون أن ينعكس ذلك على الظاهر بالإقرار باللسان.
فهو إذن نتيجة تلقائية تعبر عن تحقق الإيمان القلبي من تصديق بالحق وانقياد له. ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين حيث اتفق المسلمون على أن من لم يأت بالشهادتين مع القدرة فهو كافر؛ وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها [1] . وهو مخلد في النار ليس من أهل القبلة أصلًا [2] .
فالتلفظ بالشهادتين إنما مقصوده هو الإعلان عن تحقق مدلولهما: الإقرار بالتوحيد"ولوازمه من النبوة والبعث"-ترك الشرك والتبري منه- مع التزام شرائع الإسلام. فإذا لم تعبر الشهادة عن نفس هذه المعاني أو تلبست بأحد نواقضها لم تقبل من قائلها وكانت مردودة عليه [3] سواء في ذلك الكافر الأصلي الذي يريد الدخول في الإسلام ابتداء؛ أو من كان منتسبًا أصلًا للإسلام ثم تلبس بناقض من نواقض الإسلام قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا فارتد بذلك عن الإسلام حتى وإن استمر مظهرًا للشهادتين.
القضية إذن هي قضية تحقق أصل الإيمان في القلب؛ ثم التعبير عن تحقق هذا الأصل باللسان. فالشهادة إذن ليست حجابًا من الكلمات التي يتمتم بها قائلها فترفع عنه السيف في الدنيا ثم تستره من العذاب في الآخرة، دون أن يكون لها أية حقيقة في قلبه وفي ظاهر أمره؛ من العلم أو المعرفة أو التصديق بالحق على ما هو عليه فعلًا؛ ثم الخضوع أو الانقياد أو الاستسلام له، ومحبته والالتزام به وتعظيمه وتوقيره ولوازم ذلك كله من كراهية الباطل والتبري منه والالتزام بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم والدخول في طاعته ومحبته وتوقيره صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا.
(1) الإيمان لابن تيمية ص126 وص207.
خلافًا للغلاة من المرجئة كالجهمية ومن تبعهم حيث قالوا هو كافر في ظاهر الأمر وقد يكون مؤمنًا باطنًا على الحقيقة.
(2) عمدة القارئ ط ص110.
(3) بل إذا عبر عن نفس هذه المعاني بكلمة أخرى قبلت منه حتى يلقنن الشهادتين ويتعلمهما ويحسن التكلم بهما.
راجع مثلًا نيل الأوطار للشوكاني جـ 8 ص9 - 10؛ وزاد المعاد جـ 3 ص42 وعمدة القارئ جـ1 ص110.