والذين يقفون أمام الحق ذاهبون، ذلك لأن الحق لا ينازع، لأن عماد قوته نسبته لله تعالى الحق المبين، والباطل ظلمة ما أسرع أن تزول بقليل من النور، ولذلك ليس من الشر ولا من الرياء أن ترى طالب العلم يفرح أن سارت كلماته بين الناس، أو انتشر كتابه بين طلبة العلم يرددون كلماته ويشرحونها ويقتبسون من نورها، وهم على وجل في حياتهم أن تكون هذه حسناتهم عجلت لهم، فإذا ذهبوا إلى ربهم كان للتاريخ كلمة الفصل في هذا، وحسمت كلمات وموقف التاريخ هذه القضية بين الناس. انظر إلى كتب الإمام النووي رحمه الله تعالى، وتأمل موقع كلامه وكتبه بين العلماء والعامة تعلم على ظن غالب أنه ممن نودي على اسمه في الملأ الأعلى بقوله: إني أحب فلانًا فأحبوه، فوضع له القبول في الأرض، نحسبه والله حسيبه، وأنت ترى أن لهذ الرجل العظيم في نفس طالب العلم موقع الحب والإحترام والتقدير، وكأن موقع اسمه هذا كموقع كلمة الرحمة، وموقع كلمة الطيب زكاءً وحبًا، ثم تأمل كم حورب ابن تيمية رحمه الله تعالى في عصره وبعد عصره، وكم قيلت فيه مقالات الشر والتبديع بل التكفير كذلك، ثم انظر كيف صار لها القبول بين العلماء والعامة، وكيف صار ذكر اسمه معلمًا على الحق والسنة والاهتداء، وقبلهما الإمام البخاري الذي خرج من بلدته غريبًا حزينًا، متمنيًا لقاء الله تعالى، ثم ها هو كتابه لا يذكر إلا مع اقتران الحق في أجلى صوره البشرية، لا يبلغ فوقه في هذا الباب أحد، وهكذا سيرة الكتب والكتّاب، وسيرة العلم والعلماء، لا يرفعون بقرار قضائي، ولا يسقطون بقرار رجل ولا حكومة، والذين يحاربون الكتب التي يريد الله لها الرفعة، ويمنعون كتب العلم سيذهبون هم إلى مزابل التاريخ وستبقى الكتب علمًا يسير في الناس. لقد أعدم سيد قطب رحمه الله لكلماته، وحوربت كتبه بقرارات طواغيت أزكمت أنوفها برائحة النتن الذي يصفق لهم أهلها ويكذب على الله فيهم بالمدح والتمجيد، وشنت على هذا الرجل وما زالت حروب التبديع والتضليل، فهل ترى الجبل قد اهتز، أو ترى أن القبول من القلوب قد رفع، أو أن الناس رموا كتبه في البحر، كل هذا لم يقع، بل ما زال الناس يحبونه ويلعنون قاتليه، وما زال طلبة العلم يأخذون منه كلماته التي مجّد فيها الله، وأثنى فيها على كتابه، وانتصر فيها لحكم الله تعالى في الأرض. هذه سنة الله في هذا الباب، والناس يتسابقون للدخول فيها، بدمعاتهم بين يدي مولاهم أن يقبلهم وقوفًا على طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: لك العتبى حتى ترضى، ولكن عافيتك أوسع لي. ويديمون السؤال لربهم أن يجعل كلماتهم من العلم المقبول، والأثر الدائم، رجاء أن يصيبهم قول الحبيب عليه الصلاة والسلام: أو علم ينتفع به. وصاحب هذه الكلمات التي ألقاها في بيته بين يدي طلاب حق إن شاء الله تعالى تعليمًا لهم حقيقة الإيمان وأحكام الأسماء التي تنتمي لهذا الإسم العظيم لم يكن يرجو إلا أن يفقه عليه سامعوها، وحينها كان هذا الرجل لا يقدر أبدًا على الكلام وقد القيت بين يديه سماعات تسجل له كلامه، بل يضيق بها، وتحبس عليه بعض لسانه وهو يتكلم، ولكنها مضت بفضل الله تعالى حتى تمت على وجه من الضعف الشديد، ثم سارت بين الناس وتلقاها طلبة العلم بالقبول، وقام العديد من المحبين بتفريغها، على ما في تفريغ الأشرطة الكلامية إلى حرف كتابي وورقي من المفارقات التي يعرفها طلبة العلم، فإن المرء ينشط لأمور في الخطاب الكلامي لا يفعلها أبدًا وهو