وروى وكِيع ، عن سفيانَ ، عن سالمٍ الأفْطسِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قالَ:
صلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الخوفِ ركعةً ركعةً.
قال سعيد: كيف تكون مقصورةً وهما ركعتانِ.
والوجهُ الثاني: أن القصرَ المذكورَ في هذهِ الآيةِ مطلق ، يدخلُ فيه قصرُ
العددِ ، وقصرُ الأركانِ ، ومجموعُ ذلك يختصُّ بحالةِ الخوفِ في السفرِ ، فأمَّا
إذا انفردَ أحدُ الأمرينِ - وهو السفرُ أو الخوف - فإنه يختصّ بأحدِ نوعي
القصرِ ، فانفرادُ السفرِ يختصُّ بقصرِ العددِ ، وانفرادُ الخوفِ يختصُّ بقصرِ
الأركانِ.
لكنْ هذا مما لم يُفهم من ظاهرِ القرآنِ ، وإنما بيَّن دلالته عليه رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، والآيةُ لا تنافيه ، وإن كانَ ظاهرُها لا يدلُّ عليه ، والله سبحانه وتعالى أعلمُ.
وقيلَ: إنَّ قولَه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تقصُروا مِنَ الصَّلاةِ)
نزلتْ بسببِ القصر في السفرِ من غيرِ خوفٍ ، وأنَّ بقيةَ
الآية ِ مع الآيتينِ بعدَها نزلتْ بسببِ صلاةِ الخوفِ.
رُوي ذلك عن عليٍّ - رضي الله عنه - .
خرَّجه ابنُ جريرٍ عنه ، بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا ، لا يصحُّ.
واللَّه سبحانه وتعالى أعلمُ.
وقد رُوي ما يدلُّ على أنَّ الآيةَ الأُولى المذكورَ فيها قصرُ الصلاةِ إنما نزلتْ
في صلاةِ الخوفِ.
فروى منصورٌ ، عن مجاهدٍ ، عن أبي عيَّاشٍ الزرقي ، قالما: كنا مع
رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بعُسْفان - وعلى المشركينَ خالدُ بنُ الوليدِ - فصلَّيْنا الظهرَ ، فقال المشركونَ: لقد أصبْنا غِرَّةً ، لقد أصبْنَا غفْلةً ، لو كنا حمَلْنا عليهم وهُم في الصلاةِ ، فنزلتْ آيةُ القصرِ بينَ الظهرِ والعصرِ ، فلما حضرتِ العصرُ قامَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مستقبلَ القبلةِ ، والمشركونَ أمامَه ، فصفَّ خلفَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .