كان مريضًا فلم يستطع أن يقومَ فيتوضأ ، ولم يكنْ له خادم فيناولَهُ ، فأتى
رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك لهُ ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذهِ الآية.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)
قالَ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..) ، فمن جاء مع التوحيدِ
بقُرابِ الأرضِ - وهو ملؤُهَا ، أو ما يقاربُ ملأَهَا - خطايا ، لقيَهُ اللَّهُ بقرابِهَا
مغفرة ، لكنْ هَذا مع مشيئةِ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - ، فإن شاء غفرَ له ، وإن شاءَ
أخذه بذنوبِهِ ، ثم كان عاقبتُهُ ألاَّ يُخلَّدَ في النار ، بل يخرج منها ، ثم يدخلُ
الجنَةَ.
قال بعضُهم: الموحِّد لا يُلقى في النارِ كما يُلقى الكفارُ ، ولا يَلقى فيها ما
يَلقى الكفارُ ، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفارُ ، فإنْ كَمُلَ توحيدُ العبدِ
وإخلاصُه للَّهِ فيه ، وقامَ بشروطِهِ كلها بقلبِهِ ولسانِهِ وجوارحِهِ ، أو بقلبِهِ
ولسانِهِ عندَ الموتِ ، أوجبَ ذلك مغفرةَ ما سلفَ من الذنوبِ كلِّها ، ومنعَهُ من دخولِ النَّارِ بالكليةِ.
فمن تحقَّق بكلمةِ التوحيدِ قَلبُه أخرجَتْ منه كلَّ ما سوى الله محبةً
وتعظيمًا وإجلالا ومهابةً ، وخشيةً ، ورجاءً وتوكُّلاً ، وحينئذٍ تحرَقُ ذنوبه
وخطاياهُ كلُّها ولو كانتْ مثلَ زبدَ البحرِ ، وربما قلبتَها حسناتٍ ، كما سبق
ذكره في تبديلِ السيئاتِ حسناتٍ ، فإنَّ هذا التوحيدَ هو الإكسيرُ الأعظمُ ، فلو وُضع ذرَّة منها على جبالِ الذنوبِ والخطايا ، لقلبها حسناتٍ ، كما في"السندِ"وغيره ، عن أم هانِئ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال:"لا إله إلا اللَّهُ لا تترُكُ ذنبا ولا يسبِقها عمل".